الشتاء والواجبات والرخص ورحمات الله الجمعة 2/ جماد ثاني/ 1445
يقول الله تعالى "إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ" ويقول سبحانه "يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ" فلنكن عباد الله من القوم الذين ميّزهم الله وأثنى عليهم، فنتفكر ونتأمل فيما حولنا وفي أنفسنا، نتفكر في حركة الشمس والقمر وما ينتج عن ذلك من تغير في الأوقات وفي الأجواء، ونتفكر في رحمة الله التي تتنزل للتخفيف على العباد من آثار اختلاف الطقس، ثم نذكر الله تحميدا وتسبيحا وتهليلا وتكبيرا، استحضارا لعظمته جلّ وعلا في تدبير الكون وتصريف الدهر وفي فضله ورحمته.
يقول تعالى
"
يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ" فمن رحمته سبحانه أنه تعالى يعذر من يشقّ عليه الخروج لصلاة الجماعة
بسبب الطقس بأن يصلّيها في بيته، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلَاةِ
فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ وَمَطَرٍ، فَقَالَ فِي آخِرِ نِدَائِهِ: أَلَا
صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا
كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ فِي السَّفَرِ أَنْ يَقُولَ: «أَلَا
صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» مسلم. ولو لم تكن الجماعة واجبة لما بيّن تعالى قبوله للعذر.
ورحمة منه
سبحانه يأذن بالجمع بين الصلاتين المقترنتين الظهر والعصر والمغرب والعشاء رفعا
للحرج عن عباده إذا نزل بهم ما قد يسبب الضرّ لهم، وفي هذا تبيان لأهمية الالتزام بوقت
الصلاة فلو لم يكن الالتزام بالوقت واجبا لما كان للعذر هنا مبررا.
ورحمة منه
تعالى يخبرنا أن من أسباب طهارة سجلاتنا ورفعة درجاتنا إسباغ الوضوء على المكاره، قال
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا
يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا بَلَى
يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ
الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ،
فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» مسلم. ومن المكاره التدقيق في إيصال الماء لكل عضو، خاصة إذا كان الماء باردا
والجو قارس والملابس ثقيلة، كما يعذر سبحانه رحمة بعباده يعذر من يشقّ عليه الوضوء
بالمسح على الخفين، ويأذن سبحانه بالتيمم لمن تعذر عليه استخدام الماء وفق أحكام
خاصة بالمسح وبالتيمم.
هذه الرحمات من
الله سبحانه وتعالى تستوجب منا تذكرها كنعمة وكرحمة، فنحمد الله على التيسير وعلى
التفضل بقبول اليسير من العمل، ومن ثم نعمل بهذه الرحمات تبعا لحاجة النفس وحاجة
المصلين.
وإذا تذكرنا هذه
الرحمات من الله تعالى فحريُ بنا رحمةُ أنفسنا، فلا نكابر ولا نحمّلها فوق طاقتها لأجل
مظاهر كاذبة أو متع زائلة، فنعملُ على وقاية الجسد واتخاذ أسباب صيانته من كل تغير
في الأجواء، وذلك بتغيير المستطاع من العادات الصيفية لما يناسب الشتاء ومناخه، فنعتني
بأجسامنا تغذية وتدفئة ورياضة بما يناسب الحال، لا نفرّط ولا نسرف، لنُدرك قدراتنا
وحاجاتنا وقدرات وحاجات أحبتنا ولنتكيف معها، لا نكابر ولا نبالغ بل بين ذلك
قواما، ولنتذكر قول ربنا جلّ وعلا "وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ
إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ" ونتذكر قول ربنا "وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ
ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ
تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ
نِعۡمَتَهُ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ" ومن شكر
النعمة استخدامها بما يخدم المصلحة الخاصة والعامة وبما يناسب الحال، وعن سليم بن
عامر وهم بالشام قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا حضر الشتاء تعاهدهم وكتب
لهم بالوصية "إن الشتاء قد حضر وهو عدو فتأهبوا له أهبته من الصوف والخفاف
والجوارب، واتخذوا الصوف شعارا ودثارا، فإن البرد عدوٌ سريعٌ دخوله بعيدٌ خروجه".
والعرب قديما تقول: اتقوا البرد في أوّله وتلقوّه في آخره. ومن هنا أوصي أحبتي
وأبنائي الشباب بوصية الفاروق رضي الله عنه، وأنبّه إلى أن حسن الذوق والتميز في جمال
المظهر يتجلى في اختيار الملابس نوعا ولونا تبعا لمتغيرات الطقس ولحاجة الجسد، وأنه
ليس من سلامة وقوة الجسد استدامة لبس الملابس الصيفية حتى في برد الشتاء، فمع أن
هذا مضّر بالجسم وقد يُتلفه فإنه يحمل دلالة على عدم القدرة على التغيير واتخاذ
القرار السليم والخوف من رأي الناس في الملبس والمظهر.
واحذّر من أن البعض حينما يراك غيرَ مبالٍ ببردٍ قد آذاه فقد يصفك بصفة تلحقك بسببها عينٌ لامّة منه أو من حاسد مستمع ضاحك، فتصاب بما تكره، والسبب ضعف إرادتك وعجزك عن إظهار ذوقك في ملابسك واتباعك لعادات غير صحية وإظهارك لما يخالف الطبيعة البشرية متوهما قوتك وقدرتك على التحمل، والله تعالى يقول "يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا" نسأل الله السلامة والعافية وحسن التدبير.
ومع تبدل الأجواء وتقلب درجات الحرارة يطيب للبعض الاستمتاع بالسَمَرِ حول النار وهذه متعة ولا تُعاب، ولكن يجب الحذر من التعرض لدخانها فالضرر على الجهاز التنفسي لا يخفى حتى ولو كنت شابا يافعا قويا، وكذلك يُنهى عن النوم بقربها، وأيضا يجب إطفاؤها قبل الابتعاد عنها فإنها عدوٌ إن تركت بلا رقيب، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ، فَحُدِّثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَأْنِهِمْ، فَقَالَ: «إِنَّمَا هَذِهِ النَّارُ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ» أحمد وابن ماجة وابن شيبة وصححه الألباني والأرناؤوط. ومِثلُ النار خطرا أجهزة التدفئة الكهربائية.
عباد الله هذا
الفضاء مليء بالمجرات التي تحوي آلاف الكواكب، وهذه الأرض بما فيها ومن عليها لا
تعدو أن تكون كوكبا صغيرا لا يُرى بالعين المجردة، والله تعالى كما في الحديث
الصحيح قد أذن لجهنم بنَفَسين أحدهما في الصيف والآخر في الشتاء، وهذا النَفَس
يعمّ الكون كله ولا يمرّ بنا إلا نزرٌ يسيرٌ منه لا يكاد يذكر أمام النَفَس الأصلي
ومع ذلك يُحدث هذا الأثر القاسي في الجو، فإن اشتد الحر أو البرد فتعوذوا بالله من
جهنم فإن ما مرّ بكم ليس سوى تذكير بمصدره الذي ينتظر العصاة الرافضون دعوة ربهم
بالتوبة وإخلاص العبادة.
عباد الله استحضروا قدرة الله مع تقلب الأجواء فأكثروا من ذكره تعظيما له سبحانه، وأسبغوا الوضوء لكل صلاة تحط عنكم الخطايا وترفع لكم الدرجات، وتذكروا رحمات الله فاعملوا بها واتخذوها دافعا للرحمة بأنفسكم ومن حولكم، واقدروا للشتاء قدره فاحتموا منه بالمناسب من الألبسة والأطعمة والأنشطة وبتجنب مفاجئاته من صقيع ومطر وتيارات هواء خصوصا لمن رقّ عظمه من صغاركم وكباركم، واظهروا حسن الذوق باختيار الملابس وفق متطلبات الجو وتبعا لذائقتكم وحاجة أجسادكم لا وفق ما تعتقدون أن الناس يحاسبونكم عليه، ولا تخادعوا أنفسكم فتلبسوا للشتاء لباس الصيف واتقوا النار وإخوتها فإنها عدو. وتذكروا أنه بحلول الشتاء فقد حلّ ربيع المؤمن فتقرب إلى ربه مستغلا سعة الوقت وعون الجو.
تعليقات
إرسال تعليق