خطبة الجمعة 17/ جماد أول/1445 قيّم رحلتك البرية
الحمد لله الملك العليّ العظيم خلق خلقه في أحسن تقويم، أشهد أن لا إله إلا هو البارئ المصور الحكيم. وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله ورحمته للعالمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله، ففي التقوى خيري الدنيا والآخرة، وبالتأمل تُكتسب التقوى، وإلى هذا التأمل دعا المولى جلّ وعلا، وآكد تأمل وأنجعه هو التأمل في البيئة يقول سبحانه "إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ"
عباد الله إن من متطلبات الحياة السليمة: الترويح عن النفس بشيء من المتع
المباحة، ترويح يعيد للروح بهجتها وتجدد به نشاطها وتجوّد به صلتها بخالقها جلّ
وعلا، وأفضل ما يمنح الروح ذلك الترويح المفيد، هو الخروج عن البيئة المملؤة صخبا وتوترا
وقلقا إلى حيث السكينة والهدوء، إلى حيث تعيش الروح لحظات من الانعزال مع نفسها
تتأمل في صنع خالقها وتتأمل في مسيرها في حياتها، إلى حيث الفكر يعود لهدوئه
وتركيزه، إلى حيث الصحراء التي بثّ الله تعالى فيها الحياة من جديد، وللتأمل فيها
كانت دعوة الله لعباده ليتفكروا ويتدبروا فيؤمنون ويتقون، ولأجل إعداد رسول الله
صلى الله عليه وسلم لهذه الرسالة العظيمة حُبب إليه الخروج للخلاء للتأمل والتفكر،
وبعد أن استقرت له الأمور في المدينة استمر في الخروج للصحراء لتجديد الحياة في
الروح، عَنْ شُرَيْحٍ بن هانئ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ الْبَدَاوَةِ
فَقَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْدُو إِلَى
هَذِهِ التِّلَاعِ وَإِنَّهُ أَرَادَ الْبَدَاوَةَ مَرَّةً
فَأَرْسَلَ إِلَيَّ نَاقَةً مُحَرَّمَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَقَالَ لِي يَا
عَائِشَةُ ارْفُقِي فَإِنَّ الرِّفْقَ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا
زَانَهُ وَلَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا شَانَهُ } أبو داود وأحمد وصححه الألباني. وهنا نقف مع التنزه البري وقفة تأمل:
·
فحينما ترى الأرض وقد أخذت زينتها فكن مع من مدحهم الله تعالى بقوله "ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا
وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ
رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ" ليكن لك من المناظر الجميلة باعثا للذِكر
والتأمل والدعاء، ولإدراك رسالة إلهية أخرى وراء هذا البعث للحياة في الصحراء هي
أننا كذلك سنبعث.
·
وحينما ترى الأرض وقد أخذت زينتها فتذكر وصية رسول الله صلى الله عليه
وسلم لعائشة رضي الله عنها بالرفق على المركبة والرفق على البيئة، فمركبة تدفع الكثير
لأجلها ولأجل تجهيزها فمن الظلم إتلافها في قيادة عبثية مدمرة لها وللأرض، ومدمرة لك
كذلك. وبيئة جميلة مبهجة بعد أن كانت قاحلة موحشة تستحق أن تُعامل برفق ويستحق
أهلها الأصليون من بشر وغيرهم من الأحياء والنباتات أن يُرفق بهم وأن تُحفظ هبة
الله تعالى لهم وقد قال تعالى "وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا
وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ" فأحسن لكل ما حولك يحسن الله إليك، وإن
تحرك قلبك عند رؤية نعمة الله ورحمته التي أحيت الرض وغيّرت وجهها، فاستغل الحدث
بدعوة صادقة تطلب فيها من ربك حياة لقلبك وتغيرا جميلا في حياتك وبهجة تملأ دارك،
فالدعاء عند تحرك القلب له مكانته عند الله تعالى.
·
وإن تمتعت بهذه البيئة الجميلة فتأسى بنبيك الحبيب عليه الصلاة والسلام واجعل
لأسرتك حظا في هذه النزهات والمتعة، وغيّر في نظام تنزهك وتمتعك لأجلهم، فإن لك في
بقية الموسم لوحدك أو مع رفقتك سبحا طويلا، إذ التنزه والترويح مطلب حياتي لجميع
أفراد الأسرة.
· وإن أعجبتك البيئة وتمتعت بجمالها فاعلم أن الخروج
للبرّ إنما يكون تنزها وترويحا ما دام مُعالِجاً للروح المنهكة لتغسل عناء لحق بها
وتسلو عن همومها وتجدد نشاطها، أما إن كان الخروج للبر فريضة أسبوعية فاعلم أنك في
المسار الخاطئ، وإذا كانت الرحلة البرية تعود عليك بالإرهاق الجسدي فيأتيك يوم عملك
أو مدرستك وأنت مُتعب لا شغف لديك بالعمل أو بالدراسة فتأكد أنك قد ظلمت نفسك
وحرمتها الترويح والاستجمام المفترض، وإن كانت رحلتك البرية مُرهقة لجسدك مُتلفة
لميزانيتك مُبعدة لك عن أسرتك فاعلم أنك إنما تجني على نفسك وتظلمها بتوهم أنك تعطي
روحك حقها، وإن كان خروجك للنزهة فرضا أسبوعيا وغير مستغرب لدى أسرتك فاعلم أنها
قد اعتادت صُنع بهجتها بعيدا عنك فكن حِذرا أن لا يفهموا احتياجك ونفسيتك إن عجزت
عن الخروج من البيت يوما ما ولم يبق لك إلا هم.
ودوما تذكر رعاك الله أن في الاستغفار بعثا للحياة في القلب ومن ثَمّ في
الأرض فأكثروا عباد الله من الاستغفار خصوصا هذه اللحظة المباركة، غفر الله لي
ولكم ولوالدينا ولكل ذي ودٍ بنا وللمسلمين والمسلمات.
الحمد الله الوليّ الحميد غافر الذنب وقابل التوب، مُسبغ الفضل والعطاء،
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة وهدى وبشرى سيدنا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى
آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله:
·
ومن خرج للتنزه في البرية فليعلم أن رفعه للأذان إن حضرت الصلاة أمراً
سيجلب له فرحاً وسروراً لأن الرب جلّ جلاله يفرح لهذا وكل الكائنات الحية التي
سمعته ستشهد له به فعنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:
يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةِ الْجَبَلِ يُؤَذِّنُ
بِالصَّلَاةِ وَيُصَلِّي فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي
هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ يَخَافُ مِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي
وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ» النسائي وأبو داود
وصححه الألباني.
وقال صلى الله عليه وسلم لأَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ:ُ إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ
الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ
فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ
مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ» البخاري.
·
وكذلك من خرج للبرية خاصة فعليه الانتباه لقول رسول الله صلى الله عليه
وسلم:
اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَالظِّلِّ
وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ» أبو داود وابن ماجة
واحمد. ولا يقل عن البراز سوء رمي النفايات في الصحراء
عموما وفي بُقع الجَمَال منها خصوصا.
·
وإن مما يُعد
جرما في حق الأرض وحق الجمال البيئي وحق الأجيال القادمة هو ذلك الاعتداء على
الأشجار تكسيرا وتخريبا، وذلك التجول بالسيارة وسط الرياض المزهرة، والقيادة بجانب
الرياض بسرعة عالية تثير الغبار، فكل ذلك مشوّه للجَمال ومتلف للبيئة، وهو جُرم لا
يسلم فاعله من تبعاته وأقلّها دعاء عليه من مُتألّم غاضب بسبب ذلك.
·
وإن رأيت الأرض مزهرةً فتذكر قول الله تعالى "ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ
مَوۡتِهَاۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ () إِنَّ ٱلۡمُصَّدِّقِينَ وَٱلۡمُصَّدِّقَٰتِ
وَأَقۡرَضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعَفُ لَهُمۡ وَلَهُمۡ أَجۡرٞ كَرِيمٞ" فتفقد قلبك في نزهتك فجدّد إيمانه ولا
تكتفي بمتعته، وخذ معك ما تتصدق به على من كان قَدَره أن يعمل في الصحراء وفي حرمان
ندرك كثيرا من صوره، فإن الصدقة تُغيث القلب وتحييه.
· كما أذكّر بقول رسول الله صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ
صَلَاةً، فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلَاةٍ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا
بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلَاةً» أبو داود وصححه الألباني.
عباد الله هذه مسائل يسيرة يجب أن ننتبه لها
في تنزهنا فإن كان تنزهك أسبوعيا فراجع أولوياتك، وإن كان دخلك محدودا وديونك فاقت
دخلك ورحلاتك مستمرة فراجع صلة بربك لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قال: مَنْ بَدَا جَفَا وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ} أحمد
والطبراني وصححه الألباني. فلعلك ممن ابتلي بالغفلة عن مصالحه وهو لا يدري.
· وقبل الختام جرّب بعد تكرار نزهاتك أن تقيّم مكاسبك
الروحية والمادية والأسرية، وان تقيّم أثر الرحلة على عملك ودراستك وحياتك الأسرية
كي تعرف مدى حرصك على نفسك وعلى صدق وحسن تمتعك برحلتك وعلى يقينك بعدم الحسرة
والندامة مستقبلا.
ثم صلوا وسلموا على نبي بعثه الله معلما
وقدوة لكم في كل شؤون حياتكم ومدحه الله بحرصه عليكم، نبي هو سيد الأولين والآخرين
وقد أعلن شوقه لرؤيتكم فتهيؤا للقياه عند حوضه بلزوم سنته وبكثرة الصلاة عليه ففي
صلاتكم عليه صلاة عليكم من ربكم وملائكته وردا من حبيبكم لسلامكم وسببا في شفاعته
لكم.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك إمامنا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره واعنّا ربنا على التمسك بسنته وعلى أسباب دخول الجنة بصحبته.
تعليقات
إرسال تعليق