أهمية وأمانة بناء الأسرة / الجمعة 10 / 5/ 1445

خلق الله تعالى الإنسان وركّب فيه صفات خاصة، وفطره على أمور تناسبه وتُصلح أمره، وحمّله مسئولية تناسب ذلك. يقول تبارك وتعالى "إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا"

وأعظم أمانة تحملها الإنسان بالفطرة وبالنص الشرعي هي بناء أسرة طيبة تسكن إليها نفسه وتقر بها عينه، يخلف بها من سبقه وتخلفه هي بعد موته "وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمُۢ"

وفي قصة الزهاد الثلاثة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ؛ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّى أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّى وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّى» البخاري.

وتعظيما لشأن هذه الأسرة، عُظّم عقد النكاح الجامع بين هذين الشريكين تحت مظلة الزواج، حتى صار ميثاقا يجب تعظيمه ورعايته قال تعالى "وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا"

فمشاعر الودّ التي أفضى بها كل منهما للآخر سواء تصريحا بالقول أو تصريحا بالاهتمام والخدمة والرعاية فضلا عن الإفضاء الجسدي توجب تعظيم هذا العقد الذي جمعهما، وتدفع للقول بحرمة إفساده خصوصا إن شاب ذلك ظلما لأحد طرفي العقد.

وإذ نعيش زمنا كُثرت فيه الفتن حتى دخلت على الناس في بيوتها وغيّرت من الفِكرَ والاهتمام، زمناً وجدنا من تحقق فيه قولُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» مسلم. رأينا ذكورا وإناثا يبيعون دينهم وقيمهم لأجل حفنة من المال يرونها تطير ولا تبقى مما يزيدهم في المبالغة في عملية بيع القيم، وعليه فقد توجب على كل منّا أبا وابناً أن يقف مع نفسه وقفة محاسبة ماذا قدم لأسرته؟ ماذا عمل مع أسرته تجاه القيم التي أكّد عليها الدين الحنيف؟ ماذا قدّم احتواءً لأسرته وجمعاً لقلوبهم وتأليفاً بينهم؟

من الفتن الخطيرة تلك الحيلة الشيطانية التي تدعو لمحاربة القيم تحت مسمى محاربة العيب، فزعموا بأن تلك القيم الرائعة للأسرة المسلمة ما هي إلا عادات بالية ومخالفتها ليس سوى عيب عفا عليه الزمن، زعموا أن تمرد الزوجة وتمرد الولد وتمتع الأب بحياته الخاصة ولو على حساب أسرته وقبمه حق أضاعه العيب، فاستطاب ذلك بعض ضعاف النفوس واستقل كلٌ بحياته مستمتعا بما تيسر له، فضاع العيب وفُقد الحياء واستبيح الاقتراب من الفواحش، وتلك أول خطوات الشيطان. وصّانا ربنا تبارك وتعالى فقال "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ وَمَن يَتَّبِعۡ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ"

هذا وإنّ من أهمّ وصايا الربّ جلّ وعلا لنا، رعاية النفس والأسرة قال سبحانه "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ" وقال عليه الصلاة والسلام: مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللهُ رَعيَّةً، فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصيحَةٍ إلا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ". البخاري.

إن عامة من باع قيمه وابتذل نفسه لأجل حفنة من المال ما هو إلا ضحيةً لتربيةٍ مشوّهة فُقدت فيها الأمانة، فمُيّع الدين واستهين بالقيم، تربيةً مشوّهة زعمت بأن من حق الفرد التمتع بكل متيسر حتى ولو كان تمتعا ينافي القيم ويخالف العادات النبيلة، تربية مشوّهة جعلت الحكم على الحياة من خلال ما يُظهره فساق الأثرياء من بذخ وإسراف فاحتقروا نعمة الله الموهوبة لهم فباعوا دينهم لأجل عرض من الدنيا قليل.

واجبنا تجاه أسرتنا أن نخبرهم بأن ما يرونه من صور لحياة الفساق إنما هو محاولة منهم لإخفاء بؤس يعيشونه ولإخفاء فَقدٍ لأُلفة وسكينة يتمنون شراءهما بكل ما لديهم.

لنربي شبابنا ذكورا وإناثا على أن يدركوا ما لديهم من نعم عافية وسكينة وأسرة محبة تسعى لتأمين احتياجهم وفق استطاعتها، وأن يستثمروا ما وهب الله لهم في أنفسهم وفي أسرتهم لتنميته والاستفادة منه ولنعلمهم عظمة عقد النكاح وأنّه ميثاق غليظ من الخطر العظيم نقضه والإخلال به لأتفه سبب.

ثم صلوا وسلموا على من جُعل قدوة لمن أراد ان يحقق بيتا سعيدا في كل الظروف والأحوال، الذي علمنا كيفية استثمار هبات الله لنا في صناعة حياة سعيدة جميلة وفي تكوين أسرة لطيفة متحابة متآلفة.

اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل