ويتخذ الشيطان لجهل البعض من فضل الله ما يحرمهم به من فضل الله ومعيته الجمعة 21/ 3/ 1445

 الحمد لله البرّ الرحيم، واسع الفضل والعطاء، الغنيّ الكريّم، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله، إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وبعد عباد الله فاتقوا، واعلموا أن ربكم معكم رقيبا عليكم ومؤيدا وحافظا لكم وهاديا إياكم إلى صراطه المستقيم، بشرط! 

"وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّ‍َٔاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ فَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ"

فاتقوا الله في الصلاة فهي أول مسبب لمعية الله لكم، اتقوا الله في هذه الصلاة التي بلغ من عناية الله تعالى بها مع غناه سبحانه أن رفع نبيه الحبيب عليه الصلاة والسلام إلى السماء السابعة لأجلها، وفرضها عليه بنفسه المقدسة تبيانا لعظيم مكانتها، وقرّبه لمنزلة لا تصلها الملائكة المقربون للدلالة على القرب الشديد بينه سبحانه وبين المصلين وعلو مكانتهم، من عنايته بها أن شرع لها وضوءً يَتطهر به المصلي من القذر ومن الخطأ قبل الوقوف بين يديه، ومن عنايته سبحانه بها أن شرع بناء المساجد وأثنى على عمّارها ووعدهم أفضل الجزاء "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ"

من عنايته جلّ جلاله بها أنه تعالى يتابع عبده المصلي بفرح من لحظة خروجه من بيته إلى المسجد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَتَوَضَّأُ أَحَدُكُمْ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ وَيُسْبِغُهُ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ، إِلَّا تَبَشْبَشَ اللَّهُ إِلَيْهِ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِطَلْعَتِهِ» ابن ماجة والحاكم وابن حبان وصححه الألباني وغيره.

يتابعه بفرح في خروجه فيكتب له بكل خطوة نحو المسجد حسنة ويضع عنه سيئة، وإن بكّر بالحضور قبل الإقامة كُتب له انتظاره كأجر صلاة، واهتماما بالصلاة وبالمصلي يكن الله جلّ جلاله قِبل وجه عبده المصلي ويتفاعل سبحانه مع أذكار عبده إن كان قلبه حاضرا واعيا، وكل جلوسه في مصلاه بعد صلاته هو له صلاة والملائكة تستغفر له ما دام في مصلاه.

واعتنى سبحانه بصلاة الجماعة فجعل ثواب المصلي في جماعة أفضل من صلاة المصلي لوحده بسبع وعشرين درجة.

واعتنى سبحانه بصلاة الجمعة فجعل المُبكّر لها كالمتقرب بهدي أو أضحية.

وعظّم سبحانه خطبة الجمعة وصلاتها فمنع بعد النداء لها كافة الأنشطة التجارية وغيرها، وأمر ملائكته الكرام المختصين بتدوين ثواب المبكرين للجمعة، أمرهم بإغلاق سجلاتهم والإعراض عن المتأخرين والاستماع للخطبة، وأوجب سبحانه على المصلين تعظيما لخطبة الجمعة الظهور بمظهر المنصت المستمع بغض النظر عن أي أمر آخر، ووعد الممتثل بذلك بكفارة ما بين الجمعتين وزيادة، إضافة لوعد منه سبحانه بالبركة في النشاط المتوقف لأجل هذه العبادة، عبادة خطبة وصلاة الجمعة.

للأسف هذه العناية والفضائل الإلهية لصلاة الجماعة والجمعة مع جهل البعض ساهمت أن يزرع الشيطان لديهم ظنا باطلا، فظنوا أن في الأمر سعة لهم وتخييرا، فمن شاء فعل فنال الثواب ومن شاء ترك فلم يخسر شيئا، ولعمر الله إن هذا لهو الجهل بكرمه الله وعزته، لهو الجهل بحلم الله وفضله، لهو الجهل بحب الله لعباده المتقربين وتكريمه لهم، إن الكريم يحتفي بزواره ويعرض عمن أعرض، والعزيز لا يرضى بالتهاون فيما أمر بل أعدّ الويل للمتهاون المقصر.

ولله المثل الأعلى وهو الأعز الأكرم هبّ أن عاملا لديك وعدته أن تمنحه أجرا إضافيا إن جوّد العمل وحسّنه، فظنّ لجهله أنك إنما ترغّبه لتخّيره أو أن الأمر فيه سعة له، فقصّر وأهمل واكتفى بأقل الواجب، بالتأكيد لن تمنحه الأجر الإضافي والآكد أنك ستعاقبه بحرمانه من بعض ما يتمتع به من حسن تعامل، وقد يصل الأمر لخصمٍ من مرتبه.

ولو كان في صلاة الجماعة تخييرا؟ لما استدعى الأمر أن يفكّر بجدّ وعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهمّ بتحريق بيوت المتخلفين عن الجماعة، لولا ما فيها من الأطفال والنساء، ولو كان في الأمر سعة لكان الأولى به ابن أم مكتوم ذاك الأعمى الذي يسكن طرف المدينة ويمرّ بوادي كثير المفاجآت القاتلة، ولكنّ لما كان ظرفه دائما لم يُعذر بخلاف ذوي الأعذار الطارئة.

ومن سيئ الظنّ بكرم الله من يظن أن حضوره لصلاة الجمعة بعد دخول الخطيب لا يضرّ، ولو تأمل قليلا وتفكر لوجد خلاف ظنه، أيمنع الله تعالى من التجارة لأجلها ثم يأذن في اللهو والنوم؟ أيعاقب الله تعالى مصليا مبكرا لأنه تشاغل عن الاستماع والانصات ويترك متأخرا معتاد التأخر بدون عقاب؟ أتتسابق الملائكة للاستماع بالرغم من أنها ملائكة استجابة لأمر ربها وهذا يظهر استغناءه بتأخره المستمر فيُترك؟

 "وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَلَا ٱلۡمُسِيٓءُۚ قَلِيلٗا مَّا تَتَذَكَّرُونَ"  

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم

 

الحمد لله العزيز الحكيم الوليّ الحميد الملك العليّ العظيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا فَقَالَ لَهُمْ: «تَقَدَّمُوا فَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ» مسلم.

تأخروا في الصف فاستحقوا أن يؤخرهم الله! فما بالك بمن تأخر في الحضور أو تخلف؟

عقوبة الله ليست دوماً عقوبة محسوسةً مدمّرةً ماحقةً لكل أحد أو على كل معصية، ولكن قد تنزل ولم يشعر بها المعاقب! فمن أخّره الله لتقصيره وتأخره حُرِمَ ما كان يُفترض فوزه به، تخلف وتأخر فحُرِمَ لذة صلاة وحضور قلب ليتبعه حرمان من إقبال الله وتفاعله وعاجل استجابته، تأخر أو تخلف فحُرِم توفيقاً يأمله وحُرِمَ تأييداً يحتاجه وحُرِمَ سكينةً لا تستقيم بدونها حياته وحُرِمَ حِفظاً كان سيصنع بهجته وسعادته، تأخر فحُرِمَ فهماً ووعياً لِما ذَكر أو ذُّكِرَ به، فبقدر جودة صلة العبد بربه تكون جودة حياته وصدق عشرته مع أحبته.

"أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّ‍َٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ" ومن أعظم السيئات إساءة الصلاة بالله.

ختاما أذكّر بآخر ابتسامة للنبي صلى الله عليه وسلم عَنِ أَنَسِ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فِي وَجَعِ رَسُولِ اللهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ «كَشَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سِتْرَ الْحُجْرَةِ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ ضَاحِكًا قَالَ: فَبُهِتْنَا وَنَحْنُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ فَرَحٍ بِخُرُوجِ رَسُولِ اللهِ، وَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ خَارِجٌ لِلصَّلَاةِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، ثُمَّ دَخَلَ فَأَرْخَى السِّتْرَ» قَالَ: «فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ» مسلم.

تغلبت مشاعر الفرح لديه عليه الصلاة والسلام برؤية صفوف المصلين على كل مستويات الألم والحمى المنهكة، لنعلم بهذا أن هذه الصلاة جماعةً هي سببٌ للتغلب على مصاعب الحياة وهي سببٌ لقرة العين وللفرح والسرور حاضرا ولاحقا. فاصنع سعادتك بالاستجابة لأمر ربك.

ربنا اجعل الصلاة قرة أعين لنا، اجعلنا ربنا ممن أحببت انبعاثه للصلاة فأعنته على نفسه، اجعلنا ربنا مقيمي الصلاة وذرياتنا وأعنّا وإيّاهم على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ربنا وتقبل دعاء.

اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين وانصر كتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين واجعلنا هداة مهتدين وأئمة للمتقين. أيّد اللهم بالحق إمامنا وولي أمرنا خادم الحرمين وولي عهده واجعلهما سببا مباركا يُعز به الإسلام والمسلمين وسببا لتقانا ورضانا وسعادتنا ورغدنا وأمننا. اهد اللهم ضال المسلمين واجعله قرة عين لأهله وللصالحين. اللهم ارحمنا واغفر لنا وعافنا واعف عنّا ووالدينا وكل ذي وِدٍّ منّا وودّ بنا، وكل ذي حق علينا، هبنا جميعا السرور والحبور وأسعدنا بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اغفر اللهم للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات. وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك سيدنا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل