خطبة الجمعة 23/ صفر/ 1445 المرض وعيادة المريض
الحمد لله الحيّ القيّوم، الملك العزيز الحكيم، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا وأطيعوه تنالوا حبه ورضاه قال جلّ شأنه "بَلَىٰۚ مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ" وما من عهد يُوفّى كالعهد مع الله حرصا على ما يرضيه واتقاء لما يُسخطه وكسبا لحبه جلّ جلاله.
عباد الله لقد قضى الله تعالى بابتلاء الإنسان
بالمرض واعتلال الصحة تطهيرا له من شوائب ذنوب علقت به، وتنبيها له من غفلته وحجزاً
له عن شرٍ قد يجره لنفسه يقول تبارك وتعالى "كُلُّ نَفۡسٖ
ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا
تُرۡجَعُونَ" وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: مَا رَأَيتُ أَحداً
أَشدَّ عَلَيْهِ الوَجَعُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويشتد الابتلاء مع جودة
وقوة الصلة بالله تعالى يقول عليه الصلاة والسلام: "من يُرِدِ اللهُ بِهِ
خَيْرًا يُصِبْ منْهُ". البخاري. وعن عبدِ الله بن مسعود رضي الله عنه قالَ: دَخَلْتُ عَلى
رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في مَرَضِهِ، فَمَسَسْتُه بيدي وَهْوَ يُوعَكُ
وعْكاً شَدِيداً، فقلتُ: يا رسول الله! إِنّكَ توعَكُ وَعْكاً شَديداً، قال: "أَجَلْ،
إِنِّي أُوعَكُ كَما يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ" قُلْتُ: ذلِكَ أنَّ لَكَ
أَجْرينِ؟ قالَ: "أجل؛ ذَلكَ كذلِكَ، مَا منْ مُسْلمٍ يُصيبُهُ أذىً؛
شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَها (وفي روايةٍ: مَرضٌ فما سواه) إلا حطَّ الله بِها
سَيِّئَاتِهِ كَما تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَها". البخاري. فلابد من عَرَضٍ مكروه يكشف للمسلم
مدى صدق إيمانه وقوة حب الله له. قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ
لَيَبْتَلِي عَبْدَهُ بِالسَّقَمِ حَتَّى يُكَفِّرَ ذَلِكَ عَنْهُ كُلَّ ذَنْبٍ» الحاكم والطبراني وصححه الألباني. وفي هذا بشارة لكل مبتلى بأن عاقبة هذا الأذى خيرا لا
يحصى.
وإن من علامات النجاح في هذا الابتلاء
إن نزل: الصبر وعدم التسخط، وعدم التشكي لكل أحد، والأخذ بالأسباب في التداوي وفق
ما يتيسر، من تداوي روحي بالقرآن والدعاء ومن تداوي حسيّ بالأدوية والممارسات
الطبية الموصى بها.
وليس الابتلاء بالمرض خاص بالمريض، بل
حتى أهلَه وأحبته وصحبه مبتلون بمرضه، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بزيارة
المريض وجعلها حقا على المسلم لأخيه المسلم وكانت هذه سنته عليه الصلاة والسلام، فواجب
على كل قريب من مريض مساندته بما يكشف الضرّ عنه، كلٌ بحسبه، زيارة أو اتصالا، ودعاء
حضورا وبظهر الغيب، وتعديل مزاجه إيجابيا من خلال إدخال السرور عليه ببعض الطرف
والذكريات الجميلة وشيء مما يحبه ويناسبه من طعام وشراب، فتلك أداء للواجب ومساهمة
قوية في رفع الضُرّ عنه. ومن حق المريض على أخيه وحبيبه الزائر له أن يُكثر عنده
من ذكر الله تعالى حتى ولو لم يخش عليه وفاة فيكثر من الاستغفار والتسبيح والتهليل
بطريقة محببة تجعله يتذكر ربه فيردد تلك الأذكار بطريقة مبهجة له، وأن يُذّكره
بالصلاة من خلال سؤال عارض عسى ألا تتعبه الصلاة؟ فهذا تذكير وتشجيع، وكذا التذكير بمنّة الله على العاجز بالوضوء والصلاة
حسب حاله ووسعه، وأن يكثر له من الوصية باتباع توجيهات ووصايا الأطباء وتشجيعه على
الأخذ بتعليماتهم ولو كانت متعبة أو غير مستساغة، وألا تُستغل زيارته والاجتماع
عنده بآخرين للحديث فيما يجلب الكدر كمصاعب الحياة وآلامها والأحداث الجارية
والمُتخوفة أياً كانت، فلكل مقام مقال، ومقام الزيارة تسلية المريض بما يساعده على
التعافي من مرضه. وتحرم الجناية على الإنسان مريضا كان أم معافى كما يفعله مقدمو النصائح
العلاجية المبنية على تجارب شخصية فما كل مناسب لك يناسب غيرك، أو مبنية على فَهم
خاص وقاصر للأحاديث النبوية، والحذر ثم الحذر من الوصفات العلاجية التي تقدمها برامج
التواصل فهي مرض عصيّ بحد ذاتها إذ عامتها أوهام وتسويق تجاري لا يبالي بالإنسان
وصحته.
وعيادة المريض واجبة على أحبته عَنْ
أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ، وَفُكُّوا العَانِيَ» البخاري. وهي تجارة
رابحة عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:
«إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ
الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ» مسلم. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ عَادَ مَرِيضًا، نَادَى مُنَادٍ مِنَ
السَّمَاءِ: طِبْتَ، وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ
مَنْزِلًا" ابن ماجة.
وأعظم ما
في زيارة المريض من تجارة! الفوز برضا الله والنجاة من معاتبته سبحانه عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
"إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ
مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ
الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ
تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ الحديث.."
مسلم.
ولا بأس
بزيارة المرضى من غير المحارم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ:
لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ،
وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلاَلٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَتْ: فَدَخَلْتُ
عَلَيْهِمَا، قُلْتُ: يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ وَيَا بِلاَلُ كَيْفَ تَجِدُكَ؟
الحديث وفيه قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا
المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ.. الحديث» البخاري. وفي استفتاء عُرِض على سماحة الشيخ
ابن باز رحمه الله حول زيارة الرجل للنساء المرضى من غير المحارم فأجاب بقوله: نعم،
سن لك العيادة لهنّ وإن كنّ لسن محارم، تزور بنت عمك أو زوجة أخيك أو زوجة عمك أو
غيرهن من أقاربك أو جيرانك تزورهن وتدعو لهن بالعافية والشفاء من غير خلوة، يكون
معك من يشاركك أو الممرضة التي عندها، فالحاصل من دون خلوة تدعو لها بالشفاء وتكون
متحجبة مستورة والحمد لله هذا من مكارم الأخلاق، ومن محاسن الأعمال أن تزور زوجة
أخيك أو زوجة عمك أو جارتك تدعو لها بالشفاء حتى تعلم هي وغيرها أن جيرانها
وأقاربها يتأثرون بمرضها، والرسول ﷺ رغّب في عيادة المرضى وإن كانوا ليس محارم. أ.
هـ رحمه الله. وكذلك زار النبي صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب والغلام اليهودي
وهما غير مسلمين. نسأل الله رضاه والعفو والعافية والرحمة والمغفرة والهداية لأحسن
الأخلاق وبلوغ كمالها، واستغفر الله لي ولكم
الحمد لله العليّ العظيم الحيّ القيّوم
لا تأخذه سنة ولا نوم والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وأسوة وبشارة
للمؤمنين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله وإن من آداب
زيارة المريض وأداء حقه علينا أن نعرف الأسلوب المناسب لاحتياجه المعنوي الذي
يساعده على الثبات في ابتلائه ويعينه على تجاوز محنته والتغلب على علّته، وتّكرر
الزيارة أو لا؟ بحسب حال المريض واحتياجه وما تيسر للمحب، إذ أن كل إنسان له
احتياجه الخاص ولك قدراتك وإمكانياتك، ولا تنس أن الله جلّ جلاله يعرف مشاعرك ويتابع
زيارتك ويرضى عنك بقدر ما تتركه في نفس أخيك المريض.
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «التَّلْبِينَةُ
مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ، تُذْهِبُ بَعْضَ الْحُزْنِ» متفق عليه. والتلبينة
طعام مكون من دقيق وسمن وعسل ولذا فهي غير مناسبة لكل أحد وقد تكون خطرة جدا لأنها
كما ذكر النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «عَلَيْكُمْ
بِالْبَغِيضِ النَّافِعِ التَّلْبِينَةِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ
إِنَّهُ لِيَغْسِلُ بَطْنَ أَحَدِكُمْ كَمَا يَغْسِلُ الْوَسَخَ عَنْ وَجْهِهِ
بِالْمَاءِ» الحاكم وصححه بعض المحققين. وبالنظر في قيم التلبينة الغذائية فهي ليست سوى حلوى مُحفّزة
للسعادة مُعدّة بطريقة تناسب معيشتهم وذائقتهم، ولنا ما يناسبنا اليوم، فهي حلوى تُسعد
المريض وتمدّه بالطاقة اللازمة لتجاوز أزمته، ما لم ينه عنها الأطباء، ومن نُهي عن
الحلوى فالنهي عن التلبينة تلك من باب أولى فالحذر من وصفها لكل أحد خصوصا وقد صار
لها تسويق وتشويق من خلال ربطها بالحديث وتسميتها بالتلبينة النبوية وإنما هي عادة
غذائية محفزة للسعادة وليست وسيلة استشفائية.
تعليقات
إرسال تعليق