لنكن أسبابا جميلة لحياة سعيدة لأولادنا خطبة الجمعة 16 / صفر/ 1445

 الحمد لله الولي الحميد، البر الرحيم العزيز الحكيم، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المتقين وسيد الأولين والآخرين وخاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد عباد الله فاتقوا الله، وتأملوا قول الله تعالى "وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ" ذكر سبحانه وتعالى هذا بعد الحديث عن بناء الأسرة والمتعة بذلك البناء، ويدعو جلّ جلاله المؤمنين للاستبشار بما يَسُرُّهم حين لقاء ربهم، وفي ذلك إشارة إلى أن تقوى الله في العلاقة الأسرية تمتعا وتربية سبب للبشارة وقرة العين.

عباد الله يقول تعالى "مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ" كلنا يرغب هذه الحياة الطيبة ويرغب بشارة من الله له في كل أحواله، وكلنا يرغب في كسب حب الله تعالى ويرغب في صناعة الخير والفضل له ولأولاده، وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ وفي رواية أيُّ العمل خيّر؟ وفي رواية أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا» قَالَ: قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» مسلم.

في هذه الأعمال التي هي الخير وهي الأفضل والأحب إلى الله يكمن سر صناعة الحياة الطيبة الجميلة السعيدة، وقد سبق الحديث عن أن من أبرز أسباب صناعة هذه الحياة المحبوبة هو طِيب العلاقة مع الوالدين والإحسان إليهما وإسعادهما، ولأننا نحب تلك الحياة لأولادنا فعلينا أن نعينهم على كسب أسبابها والتي تمرّ من خلالنا كآباء لتكمل لنا ولهم أسباب الرضا والبشارة في الدنيا ويوم اللقاء.

نعلم جميعا أن الله تعالى قد أوجب على خلقه عبادته وأعدّ الجنة والنار تبعا للعبادة، ونعلم أن الله جلّ جلاله يهدي عباده للعبادة ويهيئ لهم أسباب القرب وجودة الصلة ويترك لهم الاختيار، وهكذا يجب أن نكون مع أولادنا نهيئ لهم الأسباب ما دمنا نحبهم ونرجو الخير وطيب الحياة لهم.

من أسباب إعانتهم على الإحسان إلينا لتحسن أحوالهم، إحسان الصلة بهم وذلك بمعايشة اهتمامهم والاستماع إليهم ومشاركتهم أفكارهم وممازحتهم بأسلوب ملائم لمداركهم وثقافتهم، في مجالسنا معهم لا ننتقد بتعنيف كل ما لم يرق لنا من سلوكهم ما دام ليس منكرا، ولنفسح لهم مجالا للحديث براحة تامّة عما حدث لهم أو شاهدوه مما أعجبهم أو استغربوه، لا يصح تسفيه حديثهم ومشاعرهم ما دام ليس محرما، ولا أن نخطئهم عند كل خطأ، لنتغاضى عن بعض خطئهم وتقصيرهم فالله جلّ في علاه غفور رحيم يمهل العبد المذنب حتى يتصور أن لم يعلم بذنبه أحد، ولا يحفظ سبحانه لعبده زلة تراجع عنها ويقدّر له اعترافه بخطئه، إذ الاعتراف هو عتاب من نفسه لنفسه فلا تجعله يتحسف أن أخبرك، ولنترك التفاخر الدائم بماض ولّى ولم يبق له أثرٌ يرون في حياتنا من خيرٍ أو شر، ولا نتحدث بأخبار مثالية نادرة لجيلٍ مضى نسأل الله لهم المغفرة والرحمة، لننسب الجميل لأصحابه من تلك الأجيال وليس لكل الجيل فالخير يخص وثمة عيوب في كل جيل لا يليق إثارتها، ومن أسباب إثارتها امتداح الجيل بكامله، ويكفي الجيل الراحل فضلا أن تعاملوا مع بيئتهم وتجاوزوا ظروف معيشتهم القاسية بكل صبرٍ وإيجابية وفنٍ جعلهم سعداء بالرغم من القسوة. كما ولا يصح تربويا أن نضجرهم بترديد قَصص ملّوا سماعها لأننا نحبها أو نسينا أننا تحدثنا كثيرا عنها خصوصا إذا شابها شيء من خيال قد لا يُصدّق.

لو أنك ذهبت في رحلة لحج أو لسياحة مع جهة مختصة لأوكلت أمر الرحلة كله لهم واكتفيت بدفع المال والمتعة بالرحلة، وحياتك رحلة وأولادك أولى بهذه الثقة وانت أولى بالمتعة فيما بقي من رحلتك، فَكِل كثيرا من الأمر لهم تبني ثقتهم وأعطهم مجالا لأن يروا أنفسهم عارفين فاعلين مؤثرين، اسمح لهم بتدبير كثيرٍ من أمور البيت ومعالجة أخطاء بعضهم، دع تدبير الرحلات لهم إن رأيت فيهم نضجا ومسئولية "فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ" فما بالك بشيء يبني رجولتهم ولا يضرّ أموالك التي ستعود إليهم.

والهاتف المحمول قد أصبح في الحياة عضوا مهما وليس فقط جهازا ممتعا عابرا، استولى على مصادر المعلومة وعلى إجراء المعاملة وعلى الترفيه لقد أصبح متنفذا في كثير من المجالات وهذا دليل قوته ونفوذه وهو جهاز محمول، فمحاربته معركة خاسرة مؤكدة لأننا لسنا نِدّا له، ومشاعرنا تجاهه هي نفس مشاعر كبار مجتمعنا في شبابنا مع التلفاز والراديو التي لم تبلغ معشار قوته ونفوذه، فلا نفسد مجالسة أحبتنا بكثرة التحسر من وجوده وانتقاد كثرة استخدامه ونحن كثير صمتنا كثير تذمرنا، لا أبرر تلك السيطرة والغلبة منه على التفكير وعلى المشاعر ولكن لا أريد التسبب في نفور من يحبنا ما دمنا نعجز عن عمارة مجالسنا بالحديث الممتع، ولذا لنوظّف هذا الهاتف لتحقيق متعة مباحة للجميع، ولندعهم يبحثون لنا من خلاله عمّا نحب ولو كنا أجود منهم في ذلك، ولنفسح لهم مجالا ليخرجوا لنا من مواهبهم ما يرون معه أنهم قد سبقونا وعلموا ما لم نعلم، وإن كنا تعرفه أفضل منهم. قَالَ عَطَاءٌ بن أبي رباحٍ رحمه الله: إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحَدِّثُنِي بِالْحَدِيثِ فَأُنْصِتُ لَهُ كَأَنِّي لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُهُ، وَقَدْ سَمِعْتُهُ قَبْلَ أن يولد، فأريه أني إنما سمعته الآن منه.

لِتَكسِب مجلسهم اجعل هذا الهاتف جزء من متعة المجلس بمشاركة المشاهدة والاستماع، وإن كان ثمة مباراة مهمة لا يتعارض وقتها مع الصلاة فشاركهم المتعة بها، استمع إليهم ولا تظهر جهلهم وقصور علمهم ولا تسفّه تفكيرهم، فيؤثروا الصمت وهاتفهم عليك ويلجئوا لمن يستمع إليهم فيفسد مشاعرهم وقيمهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ مَأْلَفَةٌ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ» أحمد. وقال عليه الصلاة والسلام: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» ابن ماجة. أقول ما تسمعون وأسأل الله لي ولكم قرة العين وطيب الحياة ومغفرة الذنب كله دقله وجلّه علانيته وسرّه فاستغفروه يغفر لكم ويستجب دعاءكم.

الحمد لله رب العالمين الملك الحق المبين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وبعد عباد الله فلقد امتدح الله تعالى طائفة من عباده بقوله "وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا" وقرة العين ليست في مظهرهم ولا في وظائفهم ومراكزهم وإنما بالألفة والمحبة والرحمة والسكينة تحيطنا وإياهم، والعمل الصالح يصلنا منهم بعد رحيلنا عنهم. لا نغضب لكل خطأ وتقصير حتى ولو قالوا بارد المشاعر لا يهتمّ، ولربما كان الصمت أبلغ في العقوبة من الانفعال، وتأكد أنهم لن ينسوا فرحةُ أظهرتها وشكراً قدمته لإهداء وصلك ولم تسل عن ثمنه كي لا تفسد الفرحة به، كما ولن ينسوا سرورا شاركتهم صناعته يوما ما ولنكن أسبابا جميلة لحياتهم الطيبة السعيدة التي هي سعادتنا وطيب آثارنا

ثم صلوا وسلموا على نبيٍ الرحمةُ خلَقه ومعايشةُ الناس حياتَهم سلوكه مع بعده التام عن كل محرم. نبيٌ يعلن حبه لكم ويصوّر لأصحابه مشهد اللقاء بكم في فرحٍ لا يصفه إلا من حضره وشاهده، فصل اللهم وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد هبّ أنفسنا السكينة باتباع سنته وأقرّ أعيننا برؤيته وأسعد قلوبنا فرحا بلقائه وبالمسير مع نحو فردوسك الأعلى. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل