والداك وصناعتك لسعادتك. الجمعة 24/ محرم/ 1445

 الحمد لله الملك العليّ العظيم، الخالق الرازق المدبر الوليّ الحميد، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله اجتباه وهداه وبعثه للعالمين بشيرا ونذيرا وسراجا منيرا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد عباد الله فاتقوا الله وأطيعوه، يقيكم ما تكرهون ويطوّع لكم ما تبحون.

عباد الله كلنا يطمح لحياة سعيدة، ورحمة من الله بنا يسّر ذلك لنا وجعله تحت اختيارنا وبإرادتنا، وجعل له أسبابا عديدة مُيسرة، أهمها الوالدان، فالوالدان بأمر الله هما سبب صناعتك لحياتك السعيدة أو الشقية، وقد بيّن ذلك لنا الله تعالى أمراً ووعداً وخبراً، هما الأرءف هما الأشفق هما الأقرب، هما الطريق الأسهل وإن لم يكن ممتعا أحيانا، ولذا قرن الله حقهما بحقه سبحانه في أكثر من آية، ومما أخبرنا الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام به عن دورهما في صناعة حياتنا قصة جُريجٍ العابد، رجلٌ زكيٌ تقيٌ متعبدٌ لله تعالى، قد انقطع عن الناس للعبادة في صومعة في الخلاء، تأتيه أمه تناديه وهو يصلي، فيقدم صلاته ويترك أمه، ويتكرر الحدث ثلاث مرات تناديه ويستمر في صلاته، وبعد الثالثة تغضب أمه فتدعو عليه أن يرى وجوه المومسات، فقال الله وجبت، إذ من الدعاء الذي لا يُرد دعاء الوالد على ولده، قال عليه الصلاة والسلام: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» احمد والترمذي وابن حبان وصححه الألباني. وقال عليه الصلاة والسلام محذرا: لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ» مسلم. ولحظة مشاعر الوالد هي من ساعات الاستجابة فانتبهوا لها واستغلوها لمصلحتكم لا لما يضّركم. فما لبث جريجٌ أن فوجئ بامرأة بغي تَعرض عليه نفسها، بتحريض من حسّاد له على عبادته، فلما رفض تعرضت لمن يزني بها وصبرت حتى حملت ووضعت ثم اتهمته بذاك الولد، فيُضرب العابد وتُهدم صومعته ويُطرد، لولا أن الله تعالى تداركه بمعجزة فأنطق الطفل الرضيع ببراءة جريج، كل هذا لأن الأم غضبت. واعلم ان أهل الشرّ لا يتعبون ولا يترددون عن شرهم ولا يملّون في انتظار فرص تحقيق شرهم، كهذه البغي تحملت الآلام الولادة والرضاعة لأجل تنفيذ مكرها ومكر من دفع لها، وكذلك الحسّاد سيحسدونك حتى على انعزالك وتعبدك لربك، وانتبه فالنظر لوجوه أهل الفسق والخنا هو عقوبة وإن كان ممتعا مضحكا، فاتق الشر بالخير تقدمه لغيرك، والأولى بخيرك والديك.

وحكاية أخرى لما بدأت طلائع الفتح الإسلامي في عهد الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الرجل المُحدّث الذي نزل القرآن ثلاث مرات يؤيد رأيه، وبدأت القبائل تُمِدّ الجيشَ المسلم بالرجال كان عمر رضي الله عنه كلما جاءت قبيلة من جنوب الجزيرة من جهة اليمن يسأل: أفيكم أويس بن عامر، رجل يحقره قومه حتى أنه إنما يٌعرف بتصغير اسمه، ويظل عمر يسأل والناس لا تعرف، حتى قيل له ذات يوم، هو معنا ولكنه عند الإبل يحرسها، ماذا يريد القائد العام أمير المؤمنين الرجلُ المُحدّث من رجل لا يُؤبه له ولا قدر له إلا حراسة الإبل لتبقى مكانها؟ ماذا يملك هذا الرجل حتى يهتمّ له عمر على جلالة قدره؟ فيفاجئون بعمر لا يقول اءتوني به، بل ينطلق إليه مباشرة في ذهول من الجميع.

عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ، سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ» فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ، قَالَ: أَلَا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَوَافَقَ عُمَرَ وإذا قلبه لا زال مشغولا بأويس، فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسٍ، قَالَ: تَرَكْتُهُ رَثَّ الْبَيْتِ، قَلِيلَ الْمَتَاعِ، - مستكثرا أن عمر يسأل عن مثل هذا- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ، إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ» فَأَتَى ذاك الوجيه أُوَيْسًا فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ، فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ، فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: لَقِيتَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ، فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ، قَالَ أُسَيْرٌ: وَكَسَوْتُهُ بُرْدَةً، فَكَانَ كُلَّمَا رَآهُ إِنْسَانٌ قَالَ: مِنْ أَيْنَ لِأُوَيْسٍ هَذِهِ الْبُرْدَةُ. مسلم. لا يسع المقام للحديث أكثر، ولكن اعلم أن بره بأمه كان سبب حرمانه من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرمانه من الجهاد معه عليه الصلاة والسلام فما زاده ذلك إلا رفعة عند الله وقبولا حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم بشّر به ودعا لاستغلال دعوته، فقدّم برّ والديك على كل شيء، وعلى قربه من ربه وقوة دعائه كان البعض يحسدونه على بردة يلبسها، والبردة كساء صوفي غليظ لما جرّه الأعرابي من كتف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث به أثرا داميا من غِلظ الكساء، فلا يردك حسد الحساد عن خير تقدمه للناس إذ أنعم الله به عليك ويسره لك. واحرص على كسب دعاء والديك وكسب دعاء البارّ بوالديه فثمة فرصة لا تعوّض. ولعلك اليوم وقد قرأت سورة الكهف انتبهت لخبر أن الله تعالى بعث من يقتل غلاما أرهق والديه بتمرده وسوء خلقه، وبنى جداراً يحفظ به كنز ولدين كان أبوهما صالحا، فهكذا يصنع والداك حياتك من حيث لا تعلم، هذا بمشاعرهما فقط فما بالك بغير ذلك من اهتمام وخدمة وعناية وتربية وحب ودعاء لا يخبرانك به ولا يمنّان عليك به، فعليك اكتشاف مشاعرهما وحبهما من خلال أقوالهما وأفعالهما، والاستعانة بهما على صناعة حياة سعيدة تسعد أنت وذريتك وأحبتك بها، ولا يردك لهو ولا سخرية وتعليق صحبة عن برّ والديك فعندهما جنة الدنيا قبل جنة الآخرة. أقول ما تسمعون واستغفر الله.

الحمد لله الوليّ الحميد غافر الذنب وقابل التوب اللطيف الخبير، والصلاة والسلام على النبي المجتبى والحبيب المصطفى محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد عباد الله، فوصية نادم لعلكم ألا تندموا لا تفوتكم آباؤكم ولا أمهاتكم، اصنعوا بهما حياتكم الدنيوية والأخروية، واعلموا أن الباب مفتوح ما دامت الروح قائمة في جسدها، قال تعالى "وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا۞وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا۞رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّٰبِينَ غَفُورٗا" إن أخطأت في حقهما، إن قصرت في برهما، إن بقي لديك ما تقدمه ليُفْرحهما، فلم يغلق الله تعالى الباب في وجهك، فتدارك حياتك وبرّهما بما تعلم أنه يفرحهما حتى ولو رحلا، حتى لو رحل أحدهما أو كلاهما ارجع لربك فيهما ما دمت حيا قادرا فإن الله تعالى للأوابين غفورا، والفرح ينتظرك بفرحهما. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: جِئْتُ لِأُبَايِعَكَ، وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ، قَالَ: «فَارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا» وَأَبَى أَنْ يُبَايِعَهُ. أحمد وابن حبان والنسائي وصححه الألباني.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل