فضل العلم ومكانة أهله وأسباب تحصيله خطبة الجمعة 2/صفر/1445

 الحمد لله العزيز الحكيم، علّم الإنسان ما لم يعلم، وفضّل العلم وأهله من مُعلِّم ومُتعلِم وعاملٍ بما عَلِم، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله المبعوث رحمة ومعلما ومربيا ومبشرا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله وراقبوه وتذكروا "يَوۡمَ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا سَعَىٰ وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ فَأَمَّا مَن طَغَىٰ وَءَاثَرَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا فَإِنَّ ٱلۡجَحِيمَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ".

عباد الله وتمضي الحياة لا تتوقف، والعاقل الخائف مقام ربه يرقب سرعة مُضيّها ويحسب حساب نهايتها فيسابق لأداء مهامه قبل أن تتوقف رحلته، ولأنه مؤمن حسن الظن بربه فما اعترض طريقه من إشكالات جعلها تحديات وكافح للنجاح في تجاوزها، يطوّع الأحداث ويُغيّر الأفكار والعادات تبعا لتلك التحديات، يُجيد تغيير المواقع والممارسات ولا يعرف الاستسلام ولا يتخيل الفشل، حتى مع مرضه وتعبه وكثرة خصومه يُدرك أن ثمة مجالا للاستزادة من الخير. قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَكُلٌّ عَلَى خَيْرٍ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَلَا تَعْجِزْ، فَإِنْ غَلَبَكَ شَيْءٌ، فَقُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ، وَإِيَّاكَ وَاللَّوَّ، فَإِنَّ اللَّوَّ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» أحمد وابن ماجة وابن حبان وصححه الألباني.

لمّا خلق الله تعالى الإنسان ميّز بعضهم عن بعض بالقدرة على التعلم وبالصبر عليه والمثابرة فيه يقول تعالى"يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ" وقال تعالى "قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ" وقال عليه الصلاة والسلام: فضل الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، إِنَّ الله عز وجل وملائكته وأهل السماوات وَالأرْضِ حَتَّى النَّمْلَة فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوت لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ. الترمذي والدارمي وصححه الألباني.

ولعلك تسرح بخيالك قليلا فترى نفسك وقد رفع الله شأنك وأعلى منزلتك وكنت في مجتمعك كنبيك عليه الصلاة والسلام في أمته، فإن أحببت هذا المقام فاعلم أن سبيلك إليه هو العلم، والعلم لا يعني مجرد تلقي المعلومة وامتثالها، بل البحث عنها في مظانها والتدقيق في مصدرها والتفكير في سرها ومعرفة كيفية التعامل الأمثل معها وكيف أكسب أكبر قدرٍ من الخير منها وكيف أدلّ الناس عليها بأبسط الطرق، واعلم أن الله تعالى سيكون معينا لك بمجرد عزيمتك على طلبك للعلم وسيبث في روحك حماسة وصبرا وفَهما مما يجعلك تستهين بكل ما يستصعبه الآخرون وتدرك ما لا يدركه كثير، اللهم إلا أن تنسى الله في سيرك ذاك فيتركك سبحانه لنفسك الأمّارة بالسوء فتضل الطريق وتخسر النهاية. قال عليه الصلاة والسلام: وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وقال: وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» مسلم. كُثر هم الذين تسنموا مناصب قيادية بسبب علاقاتهم ونسبهم ولم يعتنوا بالعلم والتعلم في مجالهم، فاستغنى المنصب والناس عنهم ولم تغن عنهم علاقاتهم ومكانتهم، ولو تأملت فلن تجد من لزم العلم والتعلم في كل مراحل عمره ثم خاب وندم.

قال يعقوب بْن إِبْرَاهِيم أَبُو يوسف القاضي أكبر أصحاب أبي حنيفة، كنت أجالس الرشيد وآكل معه عَلَى مائدته، فلما كَانَ فِي بعض الأيام قُدِم إلي هارون فالوذجة، فقال لي: يا يعقوب كل منه فليس فِي كل يوم يُعمل لنا مثلها، فقلتُ: وما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه فالوذجة بدهن الفستق، فضحكتُ، فقال لي: مم ضحكت؟ فقلتُ: خيرًا، أبقى الله أمير المؤمنين، قَالَ: لتخبرني وألحّ علي، فقلتُ: تُوُفِّيَ أبي وخلَّفني صغيرًا فِي حجر أمي، فأسلمتني إلى قصَّار أخدمه، فكنتُ أدع القصار وأمرُّ إلى حلقة أبي حنيفة فأجلس أستمع، فكانت أمي تجيء خلفي إلى الحلقة، فتأخذ بيدي وتذهب بي إلى القصار، وكان أَبُو حنيفة يُعنى بي لما يرى من حضوري وحرصي عَلَى التعلم، فلما كثر ذَلِكَ عَلَى أمي وطال عليها هربي، قَالَتْ لأبي حنيفة: ما لِهذا الصبي فسادٌ غيرك، هذا صبي يتيم لا شيء لَهُ، وإنما أطعمه من مغزلي، وآمل أن يكسب دانقًا يعود بِهِ عَلَى نفسه، فقال لَهَا أَبُو حنيفة: مُرّي يا رعناء هذا هُوَ ذا يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق، فانصرفت عَنْهُ، وقالت لَهُ: أنت شيخٌ قد خرفت وذهب عقلك، ثُمَّ لَزِمتُه فنفعني الله بالعلم، ورفعني حتى تقلدت القضاء، فقال هارون الرشيد: لعمري إن العلم ليرفعُ وينفع دينًا ودنيا، وترحم عَلَى أبي حنيفة، وقال: كَانَ ينظرُ بعين عقله ما لا يراهُ بعين رأسه.

وأقول إن من نظر بعين عقله اليوم فتعلّم وعلّم، فوالله ليفرحن برفعة منزلته وبعلو درجته وبحصوله على كل نافع له في دنياه وفي أخراه وبوقايته من كثير مما يضرّه، فإن من حاسب نفسه وقيّم عمله وفكره فهو العاقل المستحق أن يكون إنسانا، وأما الأحمق فإنه يُتبع النفس هواها وتضيع أيامه وفُرصُه في الأماني.

قال تعالى "وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ وَلَا ٱلظُّلُمَٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلۡحَرُورُ وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَحۡيَآءُ وَلَا ٱلۡأَمۡوَٰتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسۡمِعُ مَن يَشَآءُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٖ مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ" فاخرج من صندوق الأحلام والأماني إلى حقيقة الحياة وواقعها وسعتها وتَعلّم لتكسب بالعلم فضلاً ومكانةً وعيشاً هانئا.

قبل أن تنظر للآخرين وما حصّلوه من خير، ساءل نفسك ما سبب فوات الخير عليك؟ وما ثمرة أيام قضيتها في متعة عادت عليك باضطراب نومك وبخمول جسدك، وتسببت في تفريطك في كثير من الفرص التي تيسرت لك؟

بّنيّ ها قد انتهت إجازة الصيف فماذا كسبت منها؟

اذكر لنفسك غنيمة بقيت معك اليوم من تلك الإجازة!

اعلم رعاك الله أن كل ما أنت فيه اليوم هو نتيجة قرار سابق اتخذته، والمستقبل سيكون نتيجة قرار تتخذه اليوم، فاتخذ الآن قرارا تصنع به مستقبلك ومستقبل أولادك. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ e قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: هَلُمَّ فَلْنَسْأَلْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ فَإِنَّهُمُ الْيَوْمَ كَثِيرٌ، فَقَالَ: وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَتَرَى النَّاسَ يَفْتَقِرُونَ إِلَيْكَ وَفِي النَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ مَنْ فِيهِمْ، قَالَ: «فَتَرَكْتُ ذَاكَ وَأَقْبَلْتُ أَسْأَلُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ e وَإِنْ كَانَ يَبْلُغُنِي الْحَدِيثُ عَنِ الرَّجُلِ فَآتِي بَابَهُ وَهُوَ قَائِلٌ فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ يَسْفِي الرِّيحُ عَلَيَّ مِنَ التُّرَابِ فَيَخْرُجُ فَيَرَانِي» فَيَقُولُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ مَا جَاءَ بِكَ؟ هَلَّا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيَكَ؟، فَأَقُولُ: «لَا، أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ» قَالَ: فَأَسْأَلُهُ عَنِ الْحَدِيثِ، فَعَاشَ هَذَا الرَّجُلُ الْأَنْصَارِيُّ حَتَّى رَآنِي وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلِي يَسْأَلُونِي، فَيَقُولُ: «هَذَا الْفَتَى كَانَ أَعْقَلَ مِنِّي» للعلم فضل يدركه العقلاء فهو يرفع صاحبه ويهبه فضلا عند ربه وفضلا في مجتمعه بقدر ما يبذله من وقت وجهد لأجله، ولستَ بحاجة اليوم للخروج في هذه القائلة لأجل أن تتعلم إذ العلم مهيئ لك في مقره وفي بيتك وأثناء جلوسك واستمتاعك بلحظاتك، فقط اختر ما ينفعك ويمكنك نقله من علم لغيرك، وخفف مما يضحكك ويؤثمك ولا ينفعك، ودوما أكثر الاستغفار خصوصا بعد لحظات الغفلة واللهو وفي أثناء العبادات وبعدها، أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم

 

الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على النبي محمد الداعي إلى رضوانه وعلى آله وصحبه وإخوانه وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله، فلا فضل للمرء بدون علم، ولا علم نافع بدون جدّ وحرص، وانتظام الحياة خير معين لك بعد الله، وبعودة المدارس للحياة نستبشر خيرا بانتظام الحياة من جديد، سائلا الله تعالى فضله لنا جميعا بالعلم والعمل.

عباد الله كانت دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لذريتهما "رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ"

وكل منّا مؤهلٌّ أن يكون في ذاك المقام مقام الرسول المعلم، الأب مع أولاده والمعلم مع طلابه والصاحب مع أصحابه، يدلّهم على الخير ويعلمهم وسائله وأسبابه ويصوّرُ لهم ثمرة استجابتهم لما علّمهم، فإن استجابوا فحمدا لله وإن استغنوا فإنما عليك البلاغ.

واعلم أن خير وقفٍ توقفه لنفسك هو ولد صالح يمدّك بالأجر عند عجزك وبعد موتك، ولن يحظى أحد بمثل هذه النعمة كالمعلم إن أخلص النية وصدق التعليم وبذل النصح لطلابه، فغنيمته أولاداً صالحين يدعون له ويعود صالح عملهم بالأجر له من غير أن ينقص من أجورهم شيئا. فاحتسبوا إخوتي عملكم وتطلعوا لدعوة الخليل عليه السلام فكونوا رسل حكمة للعقول وزكاة للنفوس.

ولكل أب ومعلم طوّر نفسك تبعا للتطور الذي يعيشه مجتمعك واحذر حيلة الشيطان حينما يقول لك هذا جيل غير جيلك! أو يقول هذه وسائل لا يمكنك إدارتها وتنظيمها! فمع الرغبة والجدّ والاهتمام والدعاء والانتقاء للأنسب ستكون قادرا ومتميزا حتى ولو كنت متقدما في السنّ. وأما التقصير والتفريط والخمول والاتكال والركون للمألوف والحرج من التعلم فسبب للنكد يحاط بك في ديناك وأخراك.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل