خصال تصنع الفوز في الدنيا والاخرة خطبة الجمعة 17/ محرم/ 1445
الحمد لله الخالق المالك الولي العزيز الحكيم، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن
الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وصفوته من خلقه، يحشر الناس على
عقبه وتفتح أبواب الجنة له ولأمته وبقية الأمم من بعده صلى الله عليه وعلى آله
وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.
وبعد عباد الله فاتقوا الله وراقبوه واعلموا
أنكم ملاقوه وأن صدق العمل وحسن التوبة سببان للفرحة يوم تلقونه ليس بينكم وبينه
ترجمان. "كَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا
كَانُواْ يَكۡسِبُونَ كَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ
لَّمَحۡجُوبُونَ" من الذنوب يتولد الران الحاجب
للعبد عن ربه، والصدق والتوبة يمحيان هذا الران فيحسن الحال عند اللقاء، عَنْ
عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ، لَيْسَ
بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا
مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ،
وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ،
فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» «وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» مسلم.
عباد الله كلنا يرجو الفلاح والفوز
بأعلى المنازل والمراتب في الدنيا وفي الآخرة، والفلاح يتطلب السمو بالنفس
والارتقاء بها عن كل ما لا يليق، وإن ظهر على أحدهم نجاحا ما مع رذالة وسوء خلق فثق
تماما أنها حال ظاهرها النجاح والفرح وباطنها كبت وعذاب وعاقبتها خيبة وألم، فهو
نجاح صوري مؤقت وستحمد ربك أن سلمك من مثل حاله، "وَأَصۡبَحَ ٱلَّذِينَ
تَمَنَّوۡاْ مَكَانَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ يَقُولُونَ وَيۡكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ
لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُۖ لَوۡلَآ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ
عَلَيۡنَا لَخَسَفَ بِنَاۖ وَيۡكَأَنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ"
ولأن الله تعالى قد أراد لعباده الفلاح
الدائم مع التخفيف والتيسير فقد دلّهم على أسباب ما أراده لهم، وبقي على العبد
المؤمل للفلاح الاستماع والعمل. قال جلّ في علاه "قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ
ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ
مُعۡرِضُونَ وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ وَٱلَّذِينَ هُمۡ
لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ
أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ
فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ
رَٰعُونَ وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ
ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ"
رسالة من الله تدلك على الفردوس الأعلى
بطريقة يسيرة راقية لا شقاء ولا عذاب فيها، بل خصال تجلب لك سمو النفس وترتقي بها.
هذه الصلاة التي اعتنى الله تعالى بها
عناية خاصة جدا حيث تولى سبحانه الأمر بها وتحديد وقتها وبيّن درجتها ومكانتها وما
يترتب للإنسان بسببها إن أجاد فيها أو قصّر. هذه الصلاة علم مكانتها وأثرها
الأنبياء قبل غيرهم فاتخذوها سببا لهم لتحقيق مطلبهم، فإبراهيم عليه السلام حينما
خاف على أسرته الصغيرة التي تركها في الصحراء، لجأ إلى ربه مستدرجا رحمته وسائلا
فضله من خلال هذه الصلاة "رَّبَّنَآ إِنِّيٓ
أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ
رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفِۡٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ
إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ" ونبينا الحبيب عليه الصلاة والسلام كان إذا اشتد
عليه أمر ما، فزع إلى الصلاة، ويطلب الراحة بالصلاة، وما رأى عليه الصلاة والسلام
أفضل من الصلاة يُظهر بها شكره لله. وإنما رفع الله تعالى نبيه إلى أعلى المقامات
كي يفرضها عليه إلا ليؤكد الارتباط بين الرفعة والرقي وبين هذه الصلاة، قال تعالى
"وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ
عَلَيۡهَاۖ لَا نَسَۡٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ
لِلتَّقۡوَىٰ" صل، وأمر أهلك بالصلاة، وواظب على العناية بها وغكمال
ما يطرأ من نقص عليها ولا تشغلك أية مسائل أخرى عنها واحفظ مشاعرك فيها، فيتولى
الله أمرك، ويكفيك الله ما أهمّك ويفتح لك ما أغلق عليك وتتهيأ لك من أسباب السعادة
وقرة العين ما لم تحتسب.
ولابد في الصلاة من خشوع ينم عن قوة
تركيز وحضور قلب، فتعرف من وقفت أمامه وتدرك ما تقول وما تطلب ومما تتعوذ، تركيز
يجعلك تعي أن الله جلّ جلاله قِبل وجهك. عن جَابِرِ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ:
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللهُ
عَنْهُ؟» قَالَ فَخَشَعْنَا، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللهُ
عَنْهُ؟» قَالَ: فَخَشَعْنَا، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللهُ
عَنْهُ؟» قُلْنَا: لَا أَيُّنَا، يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ
إِذَا قَامَ يُصَلِّي، فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قِبَلَ وَجْهِهِ.} مسلم.
استحضر رعاك الله هذا المقام منك مع ربك
فانتبه وعالج قلبك وتركيزك، اعرف ما هو الخشوع؟ وما هي صورته؟ الخشوع قريب من
الخضوع وهو الخوف من الله والذلّة بين يديه، وصورة الخشوع تظهر منك باحترام المقام،
فتَقِلُ الحركة وينقطع الصوت ويخضع البصر ويحضر الفكر ويُجتنب كل ما يكرهه الناس
من رائحة أو صوت. ولكي تسلم من الآفات التي تفسد عليك حضور قلبك وتشتت تركيزك
دوما، تجنب اللغو دائما ما استطعت، فهو آفة التركيز ومعطلها، وهو كل ما لا فائدة
فيه من قول أو عمل، تلفظا أو سماعا أو مشاهدة، وقد أمر الله باجتناب اللغو وحثّ
على الترفع عنه، وقد أكّد سبحانه على الإعراض أي الصدّ عما تيسر من هذا الباطل
وتلك المشاهدات الباطلة، وإن وقعت فيه فمرّ مرور الكرام، ومما ثبت علميا قتله
لمهارة التركيز وهو من اللغو الأكيد: هي تلك المقاطع المرئية القصيرة في برامج
التواصل، تجعل الفكر مشتتا بين مضامينها والقلب معلق بتتبعها، إذ تمتاز بسرعة
التغير وكل مشهد يحكي حكاية مناقضة لما سبقها، فيظل العقل معها مخدرا والتركيز
معطّل كل ذلك بوهم الاستمتاع بها فيتعلق القلب الضعيف بها من حيث لا يشعر ومن ثَمّ
لا يتركها لا في مجلس عام ولا عند طعام، بل وأجلّكم الله حتى في الحمّام ابتلي
البعض بمتابعتها.
ومما يقرّب لك الفردوس، ويعينك على حضور
قلبك متى ما أردت، الزكاة تلك الصدقة التي هي شكر منك لربك، وسبب ليزداد تفضلا
عليك، وهي التي يأخذها منك ربك فينميها لك لتجدها أكبر وأكثر وأفضل مما تركتها،
وكذلك حفظ الفرج عن كل أحد عدا الزوج وقد قال صلى الله عليه وسلم في الأحاديث
الصحيحة: «من يضمن لي ما بين لحييه وما
بين رجليه أضمن له الجنة» وقال «من وقاه الله شر ما بين لحييه وشر ما بين رجليه دخل الجنة».
إذ انفلات الفكر في تتبع الشهوات سبب
لتشتته وضياعه وضياع صاحبه.
ومن خصال أهل الفردوس رعاية الأمانة،
سواء أكانت حسية مالية أو عينية أو سِرٌ باح به صاحبه ثقة بمن استودع، قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ
الْأَمَانَةِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى
امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا»، مسلم.
ثم يؤكد سبحانه على أن سبب الفلاح هو
هذه الصلاة والمحافظة على طهارتها ووقتها ومكانها الذي أحب سبحانه أن تؤدى فيه
"فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ
فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ رِجَالٞ لَّا
تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ
وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ
لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ
يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ" أقول ما
تسمعون واستغفر الله
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم
سلطانه والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين محمد بن عبد
الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فها هي أسباب الفلاح وهي أدواتك لأن
تنجح في دنياك فتحوز خيراتها وتنجح في أخراك فتحظى بأعلى منازلها.
ثم ألم تلحظ رعاك الله أن الله جلّ في علاه حينما بيّن هذه الأسباب وصف المتمسكين بها بالوارثين "أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ" الميراث هو أقوى أسباب التملك، فكأن الله يعطي من تمسك بهذه الخصال الستة حقا في تملك الفردوس الأعلى. قال ابن عاشور في تفسيره "وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ هَذِهِ الْخِصَالَ وَجَدْتَهَا تَرْجِعُ إِلَى حِفْظِ مَا مِنْ شَأْنِ النُّفُوسِ إِهْمَالُهُ مِثْلَ الصَّلَاةِ وَالْخُشُوعِ وَتَرْكِ اللَّغْوِ وَحِفْظِ الْفَرْجِ وَحِفْظِ الْعَهْدِ، وَإِلَى بَذْلِ مَا مِنْ شَأْنِ النُّفُوسِ إِمْسَاكُهُ مِثْلَ الصَّدَقَةِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ. أ. هـ فقوله ما من شأن النفوس إهماله أو إمساكه دليل على قلة العاملين بهذه الخصال فلا يغرنك كثرة الفساق، واسع لاستحقاق الفردوس الأعلى بهذه الخصال التي دلّك الله عليها ويسرها لك. وتأسى بحبيبك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان خلقه القرآن وهذه أخلاق أهل القرآن، ولا يغرنك فاسق ماجن أو منحرف ضال كسب شيئا من الدنيا فإن العاقبة الحسنة وقرة العين الدائمة هي لأهل هذه الخصال الحميدة فقط.
تعليقات
إرسال تعليق