خطبة الجمعة 3/ محرم/ 1445 مع بداية عام جديد 1445
الحمد لله رب العالمين، الملك يجتبي من يشاء ويدبر ما شاء ويقضي بما شاء، هو الوليّ يتولى الصالحين، يعينهم ويحفظهم ويوالي فضله عليهم، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له الحيّ القيوم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وحبيبه وخليله إمام الأنبياء والمرسلين وسيد ولد آدم أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله، وراقبوه، وأطيعوه، واستعينوا بوصيته لتحقيق قرة العين في الدنيا والآخرة، وصيته سبحانه ذكرها في محكم كتابه العزيز فقال "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ"
نداء لك عبد الله لأنك من خير البشرية في زمانك، من المؤمنين الذين آمنوا بالله وباستحقاقه العبادة وحده ، الذين آمنوا باليوم الآخر فجعلوه دافعا لهم لصناعة الخير لأنفسهم ولأحبتهم ولجميع من حولهم، وآمنوا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم فصدّقوه وأطاعوه والتزموا سنته في سلوكهم العام والخاص، هؤلاء هم المؤمنون، ولهؤلاء كانت وصية الله جلّ في علاه لحبه لهم ولعلمه بأن هذه الحياة الدنيا على قصرها ومتعها إلا أن عقباتها كثيرة، عقبات في تأمين أسباب العيش، وعقبات في السلامة من الآفات الصحية والأخلاقية، وعقبات في جودة الصلة بالله تعالى وبالآخرين، وعقبات عدة مختلفة، كثيرٌ حاول أن يستقل في معالجتها بنفسه فسقط شر سقطة، إذ طبيعة هذه الحياة تقوم على التعاون وخدمة البعض للبعض الآخر على مختلف المستويات قال سبحانه "أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ" وقال سبحانه "وَٱلۡعَصۡرِ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ"
فوصية الله تعالى لنا نستذكرها ونحن نعيش بداية عام هجري جديد، علّنا أن
نعوّض بها كثيرا مما فات من فرص لم تستثمر كما يجب، ولأجل استثمار الحياة استثمارا
جيدا قال تعالى لعباده المؤمنين:
· اصبروا، اصبروا على
كل ضائقة واصبروا على كل مرض وعلّة اصبروا على كل حدث مؤلم، فإنما هو ابتلاء يحتاج
لصبر، اصبروا على التمسك بطاعة ربكم التي قد تستثقلها النفس، اصبروا عن معصية ربكم
التي تدفع إليها النفس، اصبروا فتحملوا، واصبروا فخالفوا أهواءكم، اصبروا على
بعضكم إن كثرت أخطاؤهم، اصبروا على بعضكم إن كثرت اختلافاتكم وتنافرت أمزجتكم
وأهوائكم، اصبروا وتفاءلوا فقد جاء في الأثر (انتِظارُ الفَرَجِ بِالصّبْرِ عبادَة)
· وصابروا، أظهروا
الصبر أمام إخوانكم المبتلين كي يستمروا في صبرهم ويزدادوا حماسة وجَلَداً وادعوا إخوانكم
للصبر إن ضعفت أنفسهم أو إن حدث مكروه لهم أو نزل بهم مُنفرٍ لهم، ولا تحبطوهم
بالتهوين من صبرهم ولا بالتهوين من عاقبة أمرهم، وأعينهم على الصبر بالتغاضي
وبالدعم والمساندة، وبالحزم إن تعمدوا التقصير. ولا تشمتوا الحساد والأعداء بكم
فأظهروا الصبر والجلد، واتركوا التشكي والتذمر فبالتشكي والتذمر تُحبط النفوس إضافة
إلى أن كثير ممن يسمع إنما يفرح ويشمت.
· ورابطوا في مواقعكم
التي مكّنكم الله فيها من تحصيل الخير، ومكّنكم فيها من خدمة دينه ومن عون عباده،
فالمرابطة تعني ربط النفس على تلك المصلحة الطيّبة مهما كانت متطلباتها ومهما كانت
المغريات في البعد عنها ما دامت نافعة لك وأنت نافع غيرك من خلالها، والمرابطة
تعني تقييد النفس عن هواها بما يمنعها من التفريط فيما يسّر الله لها من الخير
وفيما كُلفت به من مهام وأمانات.
·
واتقوا الله في شأنكم كله، اتقوا الله في
هوى النفس فإن جنة الدنيا والآخرة في مخالفة هوى النفس، اصبروا وصابروا ورابطوا
واتقوا الله لعلكم تفلحون، وإذا سمعت الله يقول (يا أيها الذين آمنوا) فاعلم أن
هذا خطاب لك، وإذا سمعت الله تعالى يقول (لعل) فاعلم أنها مؤكدة إذ الله جلّ في
علاه لا يتمنى ولا يرجو بل يعدُ سبحانه ويقضي ويعطي ما شاء كيف ما شاء ولمن شاء.
فمن صبر وصابر ورابط واتقى الله فسيفلح فلاحا أكثر مما يرجو.
عباد الله كلنا قد قرأ قول الله تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَيَبۡلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلصَّيۡدِ تَنَالُهُۥٓ
أَيۡدِيكُمۡ وَرِمَاحُكُمۡ لِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ فَمَنِ
ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ" قد تتيسر لك المعصية مع كامل الستر
وضمانة عدم معرفة أحد والمراد إقامة الحجة عليك أتخشى الله حقا أم أن خشيتك للناس؟
عباد الله في بداية عام جديد نتذكر تفريطا وتقصيرا ونتذكر جرأة على معصية بغيبة
وخطيئة وغيرها ونستذكر قول الله تعالى "يَوۡمَ
يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ أَحۡصَىٰهُ ٱللَّهُ
وَنَسُوهُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ" وقوله جلّ جلاله "هَٰذَا
كِتَٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيۡكُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّا كُنَّا نَسۡتَنسِخُ مَا كُنتُمۡ
تَعۡمَلُونَ" وقوله جلّ في
علاه "أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ
وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ" "وَمَن يَعۡمَلۡ
سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ
غَفُورٗا رَّحِيمٗا" "إِنَّمَا ٱلتَّوۡبَةُ عَلَى ٱللَّهِ
لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٖ
فَأُوْلَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا" فتدارك رعاك
الله ما بقي من عمرك مستغلا بداية عامك الجديد، تدارك نفسك بتوبة تمحو بها ما سلف
من ذنبك، واعلم أن التوبة تعني قطع طريق العودة للذنب، وليس نطقا وندما مع بقاء
أسباب الوقوع في الذنب، فإن قطعت الطريق وأزلت الأسباب صدقا في الندم وفي العزم
على عدم العود، فالتوبة صادقة ماحية للخطيئة مُبدلة إياها حسنات مُعيدة للسجل
نصاعته، ولصدق هذه التوبة فإن العودة للذنب بعدها لا يضرها ولا يفسدها، أما مجرد
لفظ ونية فقد تكون كموعدة طفل لأبيه ألا يعود للخطأ. نسعى للتوبة الصادقة ما أمكن قبل
رحيلنا، لأننا قرأنا قول الله تعالى "قَالَ ٱللَّهُ
هَٰذَا يَوۡمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدۡقُهُمۡۚ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن
تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ
وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ" بارك الله لنا في القرآن والسنة
ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة، وأعاننا على أسباب الفلاح التي وصّى بها وغفر
لنا ولوالدينا وجميع المسلمين.
الحمد لله العليّ العظيم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو العزيز الحكيم والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد عباد الله فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ، بَعْدَ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الْفَرِيضَةِ، صَلَاةُ اللَّيْلِ» مسلم.
وسيحل قريبا يوم
مهم صيامه يساعدك في التخلص من خطايا عامك السابق التي نسيتها، ويمحو ما قد ضعفت
الأعمال الصالحة عن محوه من سجلك الذي تود ان تعلوك ابتسامة الفرح يوم تستلمه بين
يدي ربك ويوم تعود لأهلك بعد لقائك لربك "يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ
إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحٗا فَمُلَٰقِيهِ فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ
كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا وَيَنقَلِبُ
إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورٗا" ذاك اليوم هو يوم عاشوراء وقد دعاك نبيك وحبيبك محمد صلى الله عليه
وسلم لصومه ولصوم يوم قبله قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«إِنَّ عَاشُورَاءَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللهِ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ
شَاءَ تَرَكَهُ» وعن ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَسُئِلَ عَنْ
صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: «مَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامَ يَوْمًا يَطْلُبُ فَضْلَهُ عَلَى الْأَيَّامِ
إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ». وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصِيَامُ يَوْمِ
عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ»
وقَالَ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» رواها
جميعا الإمام مسلم. وهذا العام سيوافق عاشوراء يوم الجمعة القادم وصيام يوم الخميس تجتمع
فيه فضيلتان فلا تفوتكم تقبل الله من الجميع.
فنستفتح عامنا الجديد بالصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى، ونستعين على
النفس الأمّارة بالسوء وعلى الشيطان بتوبة صادقة وبصفحة جديدة مع الإخوة والأحبة.
تعليقات
إرسال تعليق