رسائل في عشر ذي الحجة 1444 خطبة الجمعة 5/ ذي الحجة / 1444

 

الحمد لله العليّ العظيم، الخالق المالك البر الرحيم، وصف نفسه المقدسة بسعة الرحمة وعموم المغفرة وسابغ الفضل والعطاء، وأكثر جلّ جلاله من الإخبار بحبه لعباده المؤمنين المتقين علّهم أن يتسابقوا لما يحبه منهم. أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام الأنبياء والمرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله أجمعين.

وبعد عباد الله فاتقوا الله تفوزوا بحب الله وعنايته ورعايته وسابغ فضله "قُلۡ إِنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ () يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ" وقال سبحانه " يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ"

ومن سعة فضل الله أن اختاركم واجتباكم فهداكم وجعلكم مع الصالحين، في رسالة منه سبحانه أنه قد أحبكم، فأحبوه وأحبوا ما شرع لكم مما علّمكم إيّاه حبيبكم محمد صلى الله عليه وسلم كي يُستدام لكم حب ربكم "قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ"

عباد الله وها قد انتصفت عشر ذي الحجة واقترب الموسم من نهايته وهو الموسم العظيم الذي سماه الله تعالى نُسك هذه الأمة، وحذّرنا جلّ جلاله أن نستجيب لمن ينازعنا وقته الثمين ويعطلنا عن استثماره كما يجب.

حبا لنا عباد الله فقد شرع لنا ربنا تبارك وتعالى من العمل أيسره، وفضلا منه سبحانه أعدّ لنا على هذا اليسير ثوابا كثيرا. أحبّ منّا سبحانه في هذا الموسم أن نتقرب إليه بما يُحب جلّ وعلا من أداء الفرائض كما شرع وفي الوقت الذي شرع، كما شرع لنا عملا يحبه سبحانه ولا يُتعبنا ووعدنا عليه ما لا تستطيع عقولنا تخيله فضلا عن إدراكه، شرع لنا ذِكرَهُ والإكثار من ذِكرِهِ ووعدنا على الذِكرِ أن يذكرنا جلّ جلاله، ويا سُعد من ذكره ربه وأثنى عليه في الملأ الأعلى، أحبّ منا سبحانه أن نكثر من ذكره ووعدنا سبحانه على هذا الذِكرِ أن يعطينا بكل جملة منه شجرة في الجنة المُعدّة لنا، وكل شجرة تعني مساحة إضافية للمكان المحدد. وقل مثل ذلك في تلاوة القرآن فاتل وتخيل نفسك ترقى في منازل الجنان التي علت واتسعت تبعا لذكرك وتلاوتك، فاقرأ وارتق ولا تحرم نفسك منزلة كان بإمكانك الوصول إليها. قال تعالى " فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ" وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُ، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً" مسلم.

فهل تظن ربك سيذكرك إن ذكرته؟ إذن سيذكرك جلّ وعلا. هل تظن ربك يقبل منك ما قدمت؟ إذن هو جلّ جلاله يقبل منك ما قدمت. هل تظن ربك العزيز العظيم يُقبل عليك كلما أقبلت عليه مُصليا أو داعيا أو ذاكرا؟ إذن هو جلّ جلاله سيقبل عليك. ولكن لكي يكون ظنك صحيحا في ربك وليس وهما وتخيلا تأكد أن ذكرك الذي ذكرت، وعملك الذي قدمت، وتقربك الذي تقربت، كان وفق ما شرع ورضي سبحانه وعلّمك إياه نبيك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، فإن كان خلاف ذلك فأنت ممن ضلّ سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعا.

وعن الصيام قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» مسلم. فلا يفوتك صيام يوم عرفة إن لم تحج، وتفضل على نفسك بزيادة ما استطعت لتكبر فرحتك أكثر مما تتخيل. ومتى ما حلّ يوم عرفة فإن التكبير والتهليل المشروع في هذه العشر يتقدم على أذكار الصلاة حتى نهاية أيام التشريق.

في هذا الموسم العظيم عباد الله أحب الله تعالى منّا التقرب بالأضحية وهي سنة مؤكدة على المقتدر عند عامة أهل العلم كما أنها شعيرة من شعائر الله في هذا الموسم فوجب العناية بها وتعظيمها، ويسع أهل البيت وأمواتهم أضحية واحدة، وقبل ان تستكثر ثمنها تذكر أن الله هو من دعاك لها وهو من سيتقبلها، وهو لا يقبل إلا طيبا تطيب به نفس باذله، فطب نفسا بها وأحسن الظن بربك قبولا لها، وما قَبِله الله فهو مخلوف بخير منه حاضرا ومستقبلا.


جعلنا الله من المحبين له ولشرعه المكثرين لذكره المحبين المتبعين لنبيه صلى الله عليه وسلم المعتنين بالتقرب إليه بما شرع كما شرع في الوقت الذي شرع، ففازوا بذِكره لهم وبقربه منهم وبحبه لهم وبرضاه عنهم وبواسع جنته وفضله. واستغفر الله لي ولكم

 

الحمد لله العليّ العظيم الملك البر الرحيم غافر الذنب وقابل التوب اللطيف الخبير والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين وسيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فاتقوا الله وتقربوا إليه تكونوا من الصالحين ويكون جلّ جلاله قريبا منكم ويكن معكم ويكن وليا لكم.

عباد الله موظف في جهة ما يؤدي عمله ويستلم مرتبه، لا تسلم معيشته من عوارض مادية تستنزف رصيده، ولا يأتي نهاية شهره إلا وهو في خطر من ديون تخنقه، له مدير يحبه ويحب الخير له، يقول له اعمل كذا مما لا مشقة فيه وأعطيك مكافأة عمل إضافي فيرفض مكتفيا بمرتبه المحدود بالرغم من علمه بكثرة ما يستنزف رصيده! يقول له اعمل كذا كي تترقى في المرتبة فيرفض تغيير ما اعتاد عليه بالرغم من احتمالية عدم المحافظة على مكانته، وكلما فُتح له باب خير إضافي يرفضه بحجة الاكتفاء بما لديه، أو الخوف من العجز عنه أو الخوف على نظام كسله وخموله أن يختلف عليه، تنهشه الظروف والأحداث التي تمر به لتأكل من رصيده الذي بالكاد يكفيه ويستمر في رفض التقدم والحصول على زاد يضيف له رصيدا وقُربا وحُبا في جهة عمله، أجزم أن الجميع سيصف هذا بالسقيم. 

وفي زماننا كثر السقماء الذين يستكثرون فضل الله ويحرمون أنفسهم فضل الله على من صام يوم عرفة أو على من أكثر من ذكر ربه، وأصبح بعضهم في جرأة ووقاحة يتهكمون بوعد الله ووعد رسوله بأساليب مختلفة وصدق فيهم قول الله "وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا" يقول جلّ جلاله " وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ أَوَ لَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآيِٕ رَبِّهِمۡ لَكَٰفِرُونَ" ويقول سبحانه " لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ غُرَفٞ مِّن فَوۡقِهَا غُرَفٞ مَّبۡنِيَّةٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ ٱلۡمِيعَادَ"

عباد الله ومما أحب الله من عباده استفتاح يوم العيد بأحب الأعمال إليه سبحانه صلاة الفجر ثم صلاة العيد، صلاة العيد التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر الجميع بالخروج إليها الرجال والنساء الصغار والكبار، فلا تبخلوا على أنفسكم بحضور صلاة وخطبة عظيمة عظّمها الله تعالى بأن جعل ملائكته الكرام يشهدونها مع الناس، صلاة أهلها مذكورون بخير في الملأ الأعلى ومغفور لهم مع انصرافهم من مسجدهم بإذن ربهم، فلا تحرموا أنفسكم فضل ربكم استعجالا لنحر أضحيتكم كذاك الذي يحرم نفسه فضل ذكر ربه بعد الصلاة استعجالا في الخروج من المسجد وكأن خيرا ينتظره عن باب المسجد أو كأن شرا يلحق به إن بقي يذكر ربه قليلا!. وستقام صلاة العيد بإذن الله تعالى في هذا الجامع بعد شروق الشمس بربع ساعة أي في تمام الساعة الخامسة وأربع وعشرين دقيقة.

عباد الله وفي الموسم العظيم نسك هذه الأمة تذكروا نبيا عظيماً عزيزاً كان بكم براً رحيماً وقد رحل وهو يتمنى رؤيتكم، ولتكتمل فرحته بكم فقد وصاكم بالحفاظ على سنته ما استطعتم وبما أمركم الله من الإكثار من الصلاة عليه وسعكم، واعدا إياكم بعشر صلوات من ربكم عليكم كلما صليتم عليه وبرده لسلامكم الذي سيبلغه الله إياه كلما صليتم عليه، وهل ستجد أفضل وأسعد من رسالة تصل نبيك الحبيب بأنك قد صليت عليه ليصلي عليك كما صليت عليه.

فأكثروا من الصلاة على نبيكم تفوزوا وتفلحوا وتسعدوا.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ على مُحَمَّدٍ وَعلى آلِ مُحَمَّدٍ كمَا بَارَكْتَ على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل