خطبة الجمعة 12 / ذي القعدة / 1444 وفي الأشهر الحرم نعالج سلوكا خاطئا هو الغضب ونتعبد لله بتعظيمها وتربية النفس فيها
الحمد لله العزيز الحكيم خالق الخلق ومدبر الأمر
يحكم لا معقب لحكمه، خلق الموت والحياة ليبلو الناس أيهم أحسن عملا، وصرّف الدهر
ليجدد لهم الفرص ويقيم عليهم الحجج، وأمهلهم ليتنافسوا في رفعة درجاتهم، أشهد أن
لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن
محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى
يوم الدين وبعد عباد الله فاتقوا الله فبذلك وصاكم الله فقال {وَاتَّقُواْ يَوْماً
تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ
لاَ يُظْلَمُونَ}
عباد الله إن من أسوء السلوكيات الإنسانية عموما
هو الغضب، سلوك نبهنا الله تعالى على خطره وخطئه وكانت وصية رسول الله صلى الله
عليه وسلم الحذر منه واجتنابه.
الغضب خُلقٌ يبغضه الله تعالى ويحب ضده من الحلم
والأناة، ولذا كانت الفطرة السوية تبغضه وتحب ضده، والعقلاء يرفضونه والأطباء
ينسبون العديد من الأمراض القاتلة له، والكوارث الشخصية والعامة غالبا تنتج بسببه.
الغضب هو شعور انفعالي تدفعه رغبة في الانتقام بسبب
سلوك صدر من آخر، فهو في أصله سلوك طبيعي لأنه ردة فعل لسلوك خاطئ، ولكن إن كان
هذا السلوك الغاضب يتوقف عند إبلاغ رسالة للمخطئ بأن سلوكه غير مقبول ولا يُفقد المرء
السيطرة على نفسه ولا يمنع النفس من تقديم العفو والرحمة ولا يصل للانتقام ومشابهة
المخطئ في خطئه فهذا غضب محمود، وأما إن تسبب في ترك المجال مفتوحا للنفس تُنفس عن
غيظها بما تشاء فيُترك المجال للسان يقول ما يشاء بغير ضابط، ويُترك المجال لليد
تفعل ما تشاء، ويُغيّب العقل عن إدراك العواقب فهو غضب مذموم منهي عنه، ونتائجه
مدمرة للغاضب قبل غيره.
ولأن الغضب غالبا ما يكون سببا لإفساد العيشة
الهنية في الدنيا وفي الآخرة فقد جاءت التحذيرات منه في القرآن والسنة، وعلى ألسن
الحكماء عامة، بيّن سبحانه أنه جلّ جلاله لم يُنزل غضبه إلا على من يستحقه ممن تجاوز
الحد في البغي والظلم وأما غيرهم فالعفو متاح ومُقدم، ومدح تعالى نفسه فأخبر في
الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ،
كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي " البخاري.
وهذا تنبيه على شناعة الغضب ووجوب التخلي عنه، وأهمية
التخلق بتقديم الرحمة والعفو مشابهة لله تعالى فيما قضى به على نفسه، لعل العبد أن
يفوز بما قضى به الله تعالى على نفسه من رحمة تنجّيه من كل ما يكره.
ومدح سبحانه طائفة من عباده فقال "وَٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ
وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمۡ يَغۡفِرُونَ"
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِنِي، قَالَ: «لاَ تَغْضَبْ» فَرَدَّدَ
مِرَارًا، قَالَ: «لاَ تَغْضَبْ» البخاري. وعن
جارية بن قدامة أنه قال: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا وأقلل لعلى أعقله،
قال: لا تغضب فعاد له مرارا، كل ذلك يرجع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لا
تغضب. أحمد، وابن حبان، والطبراني. وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ:
سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا
يَمْنَعُنِي مِنْ غَضَبِ اللهِ عز وجل؟، قَالَ: لَا تَغْضَبْ. ابن حبان وأحمد وصححه
الألباني.
ولخطورة هذا الغضب فقد نسبه النبي صلى الله عليه
وسلم للشيطان ولقوة تأثيره، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ: اسْتَبَّ
رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَ
أَحَدُهُمَا تَحْمَرُّ عَيْنَاهُ وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَأَعْرِفُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا
لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ
الرَّجِيمِ" مسلم. وبيّن عليه الصلاة والسلام أن قوة شخصية المرء
وعظمته تكمن في السيطرة على نفسه في حالات الانفعال عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ
بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» مسلم.
ويخطئ الناس فيصفون البعض بقوة الشخصية بسبب ما
يرونه فيه من عنف وانفعال مسيء للعلاقة وهذا في الحقيقة ضعف شخصية وعظيم جهل وقصور
إدراك وعنف سلوك ليس أكثر.
ولقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيفية
كبح جماح النفس إن انفعلت وذلك بالتعوذ بالله والتزام الصمت وبتغيير المكان والبعد
عن مصدر التوتر وتغيير الهيئة أو الوضعية من قيام أو جلوس وبالوضوء وبتعويد النفس
استحضار سُنة الله في تقديم الرحمة على الغضب وفي تذكر ثواب الله تعالى للغاضب
الكاتم غيظه والطمع في نيل هذا الثواب يقول تعالى "وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ
وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ٱلَّذِينَ
يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ
عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ
فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ
لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ
مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن
رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ
وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ"
كل ذلك صيانة للعبد عن صفات الحقد والحسد والقلق
وما تجلبه من أمراض مفسدة للحياة وكذلك صيانة للمجتمع من الجنايات المتعددة
والمتنوعة المفسدة للحياة. وتذكروا دعوة الله لكم بكثرة الاستغفار كي تفوزوا بمغفرة
الله وبجنة عرضها السماء والأرض. غفر الله لي ولكم ولوالدينا
الحمد الله الحي
القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم والصلاة والسلام على المبعوث بين يدي الساعة بشيرا
ونذيرا وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.
وبعد عباد الله فمن
التشريعات الإسلامية المعالجة لانفعال النفس والسيطرة عليها وضبط سلوكها إضافة لتعظيم
عبادات معينة، هي شعيرة تعظيم الأشهر الحرم التي حلّت علينا هذا الشهر وتستمر إلى
نهاية شهر محرم. يقول الله تعالى "إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ
شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ
أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ
أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ
كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ" ويقول جلّ
جلاله "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ
شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ"
ويقول e : إِنَّ الزَّمَانَ
قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ،
السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثٌ
مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ
الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ} متفق عليه.
هذه الأشهر الحرم شُرعت لضبط النفس ولمنعها من
الاعتداء على الغير ولحملها على تحمّل أخطاء الآخرين والعفو عنهم، أدرك ذلك مشركو
العرب قبل الإسلام فعظّموها وامتثلوا ما أمروا به في شريعة الخليل إبراهيم عليه
السلام وإن غيّروا زمانها. وعلى هذا فحريٌ بالمسلم حريٌ هذا الإدراك وهو أولى بهذا
التعظيم.
هذه الأشهر فرصة المؤمن لتربية نفسه على محامد
الأخلاق مع التقرب لله تعالى.
إن تعدى عليك أحدٌ فأظْهِرْ رفضك لسلوكه واكتمْ غيظك
وقدّمْ عفوك، إن صادفت قائدا لسيارة خالف الأنظمة لجهل أو لتهور فأظهر رفضك لسلوكه
واكتم غيظك وتجاوز، وأولى الناس بضبط الانفعالات تجاه أخطائهم هم الأسرة ومن قويت
مخالطته لقربى أو لجوار أو لزمالة عمل، وإن من ضبط النفس حين الانفعال منعها عن
الدعاء على الآخرين تعويدا لها حسن الخُلق وتعظيما لما عظّم الله وحماية للمجتمع
من عواقب دعوات المظلوم.
هذه الأشهر لها عظمتها ولها حرمتها ومن نعمة الله
علينا أن بلّغنا إياها وذكّرنا إياها، فلنتعرف عليها جيدا، ولنعظّمها حق التعظيم،
ولا تعظيم كالتقوى، نتقي الله في الزمن المخصص فنحفظه ونحفظ له خصوصيته ونرعى
حرمته ونكثر من ذكر الله في كل حال، ونتقي الله في قلوبنا وجوارحنا، نتقي الله
فيما يصلنا وفيما يصدر منا خاصة في برامج التواصل. ولنكثر من الصلاة والسلام
على نبينا وحبيبنا محمد فثمة خيرات مُرتّبة عليها وهو الذي أحبنا وتمنى رؤيتنا
وينتظر صلاتنا ليردها علينا.
تعليقات
إرسال تعليق