خطبة الجمعة التاسع من رمضان 1444 موعظة وتذكير

 الحمد لله الولي الحميد، جاعل الملائكة رسلا، مُحبة للذِكر ولمجالسه وللمساجد وأهلها، وفي رمضان يأذن الله لها بالتنزل وحضور تعبد العباد أكثر مما في بقية العام، أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وخليله، إمام الأنبياء والمرسلين وسيد ولد آدم أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد عباد الله

فلنتق الله ولنراقب أيامنا المباعدة بيننا وبين يوم مولدنا والمسارعة بنا نحو آجالنا. بالأمس القريب كنا أطفالا لا نعرف مستقبلا ولا نخشى منه ولا عليه، والآن كلٌ نسي ما مرّ به ويرقب قادم أيامه ماذا تكون وكيف تكون!

بالأمس القريب كانت النفوس تتشوف لرمضان واليوم نحن في التاسع منه! ويكاد يكون ذكرى رحلت!

حينما هلّ رمضان فرحت القلوب وتغيرت الأنفس إقبالا على الله تعالى صوما وذِكرا وتلاوة للقرآن وسكينة للنفس، ثم ها هي النفوس ولمّا ينتصف رمضان بعد قد بدأت تفتر وتغفد المشاعر لولا نظامه الغذائي، وبدأت بعض النفوس تملّ المشاعر الجديدة الرمضانية في شوق لتلك الدعة واللهو وإضاعة الوقت بغير مفيد.

وتنشيطا للنفس نذكّرها بان آخر ما أنزله الله تعالى في كتابه الكريم هو قوله تعالى "وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ"

تذكير للمؤمنين وهم صفوة الخلق بأن الموعد هناك في الحياة الآخرة، يوم حَشرُ الناس جميعا واجتماعهم في صعيد واحد، يوم يجاء بجهنم تجرّها الملائكة قد بان غيظها من قوة زفيرها، يوم تنادى باسمك وتؤخذ إلى قرب العرش، فيُدنيك ربك جلّ جلاله ويسترك عن بقية الخلق، ثم يُذكّرك جلّ وعلا بما قدمت في حياتك الأولى من خير وشر، وتحضر في ذهنك تلك اللحظات التي عبرت، وتلك الفرص التي مرّت، أنعم الله بها عليك ويسرها لك وأخبرك بضرورة التزود منها لهذا اليوم، يوم تنظر عن يمينك فلا ترى إلا النار وعن شمالك فلا ترى إلا النار وليس لك ومعك إلا ما قدمت مستغلا به هذه الفرص، وكلٌ سيتمنى لو ازداد أخذاً وغُنما، ورمضان هو إحدى تلك اللحظات وتلك الفرص فيه تتنزل الملائكة بالرحمات ويحال بين الشياطين وبين مساعيهم، لتبق إرادتك وبصيرتك حكما لك وعليك، فلا تجلب لنفسك ندما يوم لا ينفع الندم، يوم ترى صحبك وقد تقدموك فتعض أصابعك ندما أن كان بإمكانك أن تكون معهم بل وأن تسبقهم لولا ملازمتك لصاحبٍ كنت تعيش معه وهم متعة لا تعوّض.

لقد نهى الله تعالى نبيه الحبيب عن خُلق لا يرضاه جلّ وعلا لعباده الصالحين فقال سبحانه "وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُ وَلِرَبِّكَ فَٱصۡبِرۡ" اهجر الشرك والفسق ومواطنهما وأهلهما فثم الزلل، ولا تُعظِم عملك وتغتر به فتستكثره، واصبر لطاعة ربك، كان هذا التوجيه من الله لخليله ولصفوة خلقه الذي يغضب الله لأجل تكدر خاطره، فنحن أولى ببالامتثال وأولى أن نحذر استكثار ما نقدم، عاب الله تعالى على قوم منّهم بالإسلام فقال سبحانه "يَمُنُّونَ عَلَيۡكَ أَنۡ أَسۡلَمُواْۖ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسۡلَٰمَكُمۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ" كثيرٌ يوهمون أنفسهم ويخادعونها بحسن عملهم، يوهمون أنفسهم بأنهم أحسن من غيرهم، يستكثرون عملهم ويفخرون به على قلته، ينامون عن الفريضة أو يتأخرون عنها ويكتفون من صلاة التراويح ببعضها ومن تلاوة القرآن بالقليل ومن الصدقة بأقل القليل مع أن رمضان كله قليل، لا تمن على الله بعملك فالله هو من يمنّ عليك أن هداك للإيمان وأن يسر لك الطاعة وأن أعانك عليها وسيحاسبك عليها، والإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره، وإن دعتك نفسك للعبث واللهو بحجة الترفيه وراحة النفس على حساب طاعةٍ وقربةٍ فاحذرها، ولا تستسلم لها فقد قال تعالى "وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ" فلا تفرط فيما يسّر الله لك فالفرص لا تعوَض، واعلم رعاك الله أن التوفيق لطاعة ما هو بشرى بقبولها وهو دعوة إلهية لك لمزيد طاعة وقرب، فأنقذ نفسك وكن قدوة حسنة لأهلك واصنع لك فرحة يوم تلقى ربك.

عباد الله في رمضان يكثر السهر لدواعي شتى من عمل او لهو وغيرهما، وللساهرين أدلهم على عمل قد يسبقون به كثير، ويعوّضون به كثيرا مما فاتهم، عمل مدح الله أهله ووعدهم النعيم المقيم فقال سبحانه "إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُحۡسِنِينَ كَانُواْ قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ وَفِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ" لقد حفظ الله لهم إحسانهم وألحقهم بالمتقين وأنالهم جنات وعيون بسبب عمل يسير من ضمنه الاستغفار في الأسحار، فما دمتم ساهرين فأكثروا الاستغفار تلك اللحظات تلحقوا بالمحسنين. وكذلك هذه اللحظات أكثروا الاستغفار فهي لحظات مباركة حرية بالاستجابة. غفر الله لي ولكم ولوالدينا وأحبتنا والمسلمين أجمعين

 

الحمد لله العزيز الحكيم الملك البر الرحيم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو العزيز الحكيم والصلاة والسلام على النبي المصطفى والحبيب المجتبى محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين وبعد عباد الله فاتقوا الله ولا تنسوا أنكم في رمضان شهر الصيام والقرآن، وفي رمضان تهفو النفوس للدرجات العلى فتبذل ما تيسر لها من وقت ومال وجهد طلبا لرضا الله جلّ وعلا، وهناك أنفساً دنيئة تتخذ من رمضان فرصة للاتجار بأسهل السبل وأبلغها حرمة وأكثرها سحتا وذلك بالتسول وادعاء الفقر والكذب باسم الله والحلف به، فاستعينوا على مصاعب الدنيا وابتلاءاتها بالصدقة واحذروا المتسولين وقاطعوهم واحفظوا صدقاتكم من التلف في أيديهم وقولوا لهم كريما، ولتكن المنصات الإلكترونية للتبرعات هي سبيلكم فهي أضمن استلاما وصرفا، وندعو للتبرع عبر منصة جود للإسكان الخيري عونا للمستحقين على امتلاك مساكنهم.

عباد الله تذكروا أن ملائكة الله تسبقكم للمساجد يوم الجمعة فإذا دخل الخطيب طوت صحفها واستمعت فضاعت على المتأخر قربة كان بيده تقدميها لو بكّر قليلا، وتذكروا أن الملائكة تحفكم إن عمرتم مجلسا للذكر أو مسجدا للصلاة، وأنكم كلما كنتم في قربة أقبل الله عليكم واقتربت ملائكته منكم، لتكونوا أكثر طمأنينة وسكينة وحبا في هذه القربة، ولتكون الملائكة شهودا لكم عند ربكم فلا تضيعوا مواهب وعطايا ربكم بالتجارة أو اللهو والعبث أو النوم بغير حساب. وتذكوا قول الله تعالى " ٱلَّذِينَ يَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْۖ رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدۡخِلۡهُمۡ جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدتَّهُمۡ وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ وَقِهِمُ ٱلسَّيِّ‍َٔاتِۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّ‍َٔاتِ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمۡتَهُۥۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ" منّ الله عليكم بالإيمان فتوبوا لربكم تفوزوا بدعوة حملة العرش ومن حوله.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل