وأقبل رمضان 1444
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله والصلاة والسلام على
رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد أيها الفضلاء
والفاضلات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لقاؤنا
هذا المساء بحديث عن ضيفٍ مهمٍ عزيز،ٍ تشتاقُ النفوسُ المؤمنة إليه بمجرد قرب
نزوله وحتى بعد رحيله، لا تملهُ الأنفسُ الزكية وتستبطئ مجيئه وتتألم لسرعة مضُي
أيامه ولياليه، والألم ُكل الألمِ لمن فرّط فيه وفوّته على نفسه.
هو
شهر رمضان، شهر القرآن، شهرٌ خصّه الله برحمات وبفضائل تمتاز بأنها تتنزل بغير
حساب، هو شهرُ الجنان المُفتّحة، شهرُ الأنفس المشتاقة لتجديد وتجويد الصلة
بخالقها جلّ وعلا.
رمضان
أقبل وهو الضيفُ العزيز، الضيفُ ذو الشأن العظيم، هو النعمة المُسداة والفرصة
المشرّعة التي لا تخفى كنوزها ولا يحرم طالبها، وهي الفرصة التي تتسابق لحظاتها لتقديم
فضائلها، ففي كل لحظة فضائل لا تحصى.
ولذا
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُبشر بهذا الشهر، يٌبشر بهذه الفرصة العظيمة، فكان يقول لأصحابه: أتاكُمْ
شَهْرُ رَمَضانَ شَهْرٌ مُبارَكٌ فَرَضَ الله عَلَيْكُمْ صِيامَهُ تُفْتَحُ فِيهِ
أبْوابُ الجَنَّةِ وتُغْلَقُ فِيهِ أبوابُ الجَحِيمِ وتُغَلُّ فِيه مَرَدَةُ
الشَّياطينِ، وَفيهِ لَيْلَةٌ هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ
خَيْرَها فَقَدْ حُرِمَ" أحمد والنسائي
وصححه الألباني
هذه البشارة بهذه
المنحة الربانية تستوجب أن نتفاعل معها بما يليق بمانحها جلّ وعلا، وبما يليق بمن
بشّر بها عليه الصلاة والسلام.
وبداية التفاعل مع
هذه البشارة أن ندرك قدر النعمة في بلوغها وفي تيسير العمل فيها، فمدّ الفسحة في
العمر هو نعمة في حد ذاته ومنّة تستوجب أداء حقها، وحقها فرح القلوب بها واستغلالها
شكرا لله تعالى، لنتأمل في هذا الحديث ومن خلال التأمل لعلنا أن ندرك قدر النعمة، عَنْ
عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِىِّ قَالَ: آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا
وَمَاتَ الآخَرُ بَعْدَهُ بِجُمُعَةٍ أَوْ نَحْوِهَا فَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
مَا قُلْتُمْ؟ فَقُلْنَا: دَعَوْنَا لَهُ وَقُلْنَا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ
وَأَلْحِقْهُ بِصَاحِبِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَأَيْنَ صَلاَتُهُ بَعْدَ صَلاَتِهِ
وَصَوْمُهُ بَعْدَ صَوْمِهِ وَعَمَلُهُ بَعْدَ عَمَلِهِ؟ إِنَّ بَيْنَهُمَا كَمَا
بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} النسائي وأبو
داود وأحمد وصححه الألباني.
وذلك فضل الله يؤتيه
من يشاء، فاحمد الله أن آتاك من فضله ما شاء وأن اختارك واجتباك فهداك ومدّ في عمرك
ويسّر لك العمل ووعدك العون وسخر لك من يعينك على الخير.
رمضان هو البشارة
العظيمة للمؤمنين، وقد يكون لمن أدركه واستغله الحظ العظيم الذي يرفع صاحبه لأعلى
منازل الجنان
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ
آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلاَةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ
حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، أَفَلاَ نُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ
دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ
الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ،
فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ
فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ» البخاري فلا تكتف بالفرائض بل استغل الفرص التي
بشّرك بها نبيك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، وأيضا
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ
إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ} متفق عليه.
وإذ أقبل رمضان وهو
البشارة السعيدة والفرصة العظيمة، فحري بالقلوب أن تفرح وأن تتفاعل مع بشارة
حبيبها بالإقبال عليه والاستعداد له، والإقبال على الضيف يكون إذا أقبل وليس إذا
نزل، والاستعداد لضيافته لا يكون بعد حطّ رحاله، فإذا حطّ الضيف رحاله فقد وجب تنفيذ
خطة الإكرام المُعدّة وليس البدء بالتخطيط، وإن كان الضيف عزيزا فلا يصح استضافته
كيفما اتفق، ومن صِدِق الإكرام الإقبالُ على عزيزٍ أقبل.
ولنتعرض لأهم أعمال
رمضان الجالبة لحب الله تعالى لعبده ولأَمَته، والدالّة على التفاعل الحق مع بشرى
الحبيب عليه الصلاة والسلام:
·
التعظيم لهذا الزمن المخصص من إعلان الشهر
وحتى نهايته. ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب، ورمضان زمنه وعمله من
أعظم الشعائر
·
أهم أعمال رمضان الصيام يَقُولُ e: قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ
ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ. متفق عليه.
من حب الله تعالى
لهذا العمل الصالح أن نسبه لنفسه المقدسة، وفضلاً منه سبحانه لم يضع سقفاً أعلى لفضله
بل ينظر سبحانه للقلوب فيعظم لها ثوابها بحسب ما تحمله من عظمة للزمن وللعمل، فما
هي خطتي لصيانة هذا العمل العظيم وتجنيبه ما قد يفسده يقول عليه الصلاة والسلام: "مَنْ
لم يَدَعْ قوْلَ الزُّورِ وَالعملَ بِه، والجهلَ، فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ في أَن
يَدَعَ طَعامَهُ وشرابَهُ". البخاري. ولا
أظن أنه في زماننا هذا حامل للزور والجهل والمآثم، وسارق للوقت ومعطّل للمصالح
ومضيّع للغنائم كالهاتف المحمول ووسائل التواصل الاجتماعي، وإن تحديد وقت لاستخدامه
وتجنب مواطن الفتن فيه وعدم الخوض مع الخائضين في نقاشات وأحاديث إثمها أكبر من
نفعها لَسببٌ قوي في صيانة الصوم، وسبب أقوى لاستغلال رمضان كما يجب.
·
ومن أهم الأعمال في رمضان: الدعاء
فإن الله تعالى بعد ما أمر بالصيام أخبر بأنه قريب يجيب دعوة الداع إذا دعاه، وهذا
تنبيه لأهمية الدعاء حال الصيام، وإذا علمنا أن الله أحب الصيام والصائمين وعلمنا أن
الدعاء عبادة عظيمة أمر بها جلّ وعلا وعلمنا أن الله سبحانه حيي كريم يستحي جلّ
جلاله أن يرد دعوة عبد دعا! فكيف يا ترى يكون حال الدعوة إذا اجتمعت مع الصيام،
فعبدٌ محبوب وعمل محبوب ودعاء مأمور به فهل يُرد الطلب والرب مقتدر لا مكره له وغني
كريمٌ برٌ رحيم؟
فلنحرص على الدعاء
حال الصيام وبالأخص حين انتظار الصلاة سواء للرجل في المسجد أو للمرأة في سجادتها فإن
اجتماع هاتين العبادتين الصيام وانتظار الصلاة لأمر عظيم يضاعف من عظمة وقيمة
الدعاء، والتوفيق للدعاء أثناء الصلاة في السجود وقبل السلام لهو بشارة بتحقق
الآمال، جاء في الحديث الصحيح عند الترمذي واحمد قوله عليه الصلاة والسلام: «مَا
عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ
إِيَّاهَا أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ
أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ:
«اللَّهُ أَكْثَرُ». فهل في بالك أمر ما انتظرته طويلا وترجوه كثيرا؟ إذن دونك
رمضان وإن كان العام كله بابا للدعوات إلا أن رمضان مختلف جدا فاطلب فيه ما تشاء
من الخير.
·
وكذلك من العمل المهم في رمضان تلاوة
القرآن الكريم فإنك إن تك مؤمنا فأنت من عباد الله، وأن تكون مكتسبا لحب الله
بعمل هو من أحب العمل إليه وهو الصيام ثم تخاطب نفسك بكلام الله فتوّعيها به
وتذكرّها به والله تعالى يرقبك برضا وبشاشة والملائكة تستمع لك وتوثق ذلك لك، فما
ظنك بمغنمك حينها؟ لعلك دخلت في أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون
ولهم البشرى كل حين.
وقرين التلاوة الذِكر، فكثرة الأذكار صباحا ومساء وحين انتظار الصلوات وفي
كل حين سبب لأن يذكر الله عبده وأمته في الملأ الأعلى فالاستغفار والتهليل
والتحميد والتسبيح هي من أحب الكلام إلى الله، والسَعدُ كله لمن ذكره ربه وبشّره.
·
ومن العمل المهم في رمضان الصدقة فإن
رمضان إذا حلّ تغيرت النفوس وزاد تطلعها لفضل الله، وفضل الله لا يعطى لمن لا يبذل
أسباب الفوز به، والصدقة يعظم ثوابها بحسب حال منفقها ومستقبلها، وأولى الناس
بالنفقة هم الأقرب من ذوي الحاجة، ولا ننسى أن النفقة على الأهل هي صدقة فاحتسب ما
تقدمه لهم من إطعام وسكن ولباس وسداد خدمات ونحو ذلك، لا تتذمر بل احتسب كل ذلك من
الصدقة فأنت دافعه ولابد، وإن استشعرت بانها صدقة كانت لك قربة وكنت موعودا بالخلف
عنها بخير، وكذلك أنتِ أختي الصائمة احتسبي عملك في منزلك وخدمة أسرتك صدقة من
خلال إدخال السرور عليهم وهذا من أفضل الأعمال، ثم نتفقد حاجة ذوي الحاجة في
المجتمع من خلال الجمعيات الخيرية التي تولت خدمتهم سواء خدمتهم بالوعي والتثقيف
الشرعي أو خدمتهم بتغطية الاحتياجات المادية للفقراء منهم، ولننتبه للمتسولين فكثيرٌ
منهم يفسد صالح العمل.
وإن وُجِد لديك زكاة فأولى المستحقين هم أقرب منك درجة ومنم أولادك الذي
تراكمت عليهم الديون وانت لا تنفق عليهم لاستقلالهم أو ألا تحسب تلك الزكاة من
النفقة الواجبة لهم.
وتفطير الصائمين مظهرٌ
عُرِفَ به المسلمون عبر تاريخهم ووصايا الراحلين في تركاتهم لا تخلو منها استشعارا
لعظمة هذا العمل الخيّر بغضَ النظر عن مستوى المُفطّر، وإن كان فقيرا فهو أولى.
ولا ننسى من تراكمت
عليهم الديون وأعسروا ومنصة فُرجت تساعد في تفريج كرباتهم.
كما أن هذه المنصات
الإلكترونية للتبرع في مختلف الجهات والتي هي مصدر موثوق لا يتطرق إليه الشك جعلت
الصدقة أسهل وبحرية إخراج القدر الأنسب لك كما أنها شجعت على صدقة السر المضاعفة
مكانة وثوابا فلله الحمد تيسيره العمل لنا.
·
وتاج العمل في رمضان والذي لا يتم بدونه
صيام ولا يقبل دعاء ولا نفقة هو الصلاة، فأحب العمل عند الله هي الصلاة وأحب أداء
للصلاة عنده سبحانه ما كان في وقتها وحيث أمر بها.
ومن لم يجعل الصلاة
أولى أولوياته كان جزاؤه ان يكون في مؤخرة القوم وقد جاء في الحديث الصحيح عند
مسلم وغيره قوله عليه الصلاة والسلام: لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى
يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ»
فكل تأخر منك عن عمل
صالح مُيّسر لك هو سبب لتأخرك عند الله وتأخر حصولك على فضل الله.
وأذكّر بصلاة التراويح
فإنها من شعائر الله الظاهرة في رمضان وفيها من السكينة والأجواء الإيمانية واجتماع
أهل الحي ما لا يخفى على مجرب، وإن كان الأقربون أولى بالمعروف فمسجد حيّك أولى بك
جبرا لأهله واجتماعا معهم في طاعة.
هذا بعض ما تيسر عرضه
في هذا المقام سائلا الله تعالى أن يجعلنا ممن استشعر أهمية هذه الفرصة واستعد لها
كما يحب ربنا جلّ وعلا وأن يجعلنا ممن بادر إليها فبادره الله بالقبول والإعانة
والرضا والعطاء، وأن يفقهنا في سنة نبينا وأن يجعلنا من أهلها لنفوز بإخوة نبينا وحبيبنا
محمد صلى الله عليه وسلم وأن يٌيسر لنا صيام رمضان وقيامه والفوز بأسباب الفوز
بجناته والعتق من نيرانه
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
تعليقات
إرسال تعليق