خطبة الجمعة الغش التجاري مكر سيء وسيحيق بصاحبه / التذكير بشعبان 5 / 8 / 1444

 الحمد لله الولي الحميد له مقاليد السموات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وهو بكل شيء عليم، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله وراقبوه واحذروا ما حذّر منه سبحانه ومن ذلك قوله تعالى "وَلَا يَحِيقُ ٱلۡمَكۡرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهۡلِهِ" وقوله جلّ شأنه "وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ

ومكر الله جلّ وعلا وكيده لا يأتي بلا سبب ولا يكون لغرض الكيد والنكد تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإنما كيده سبحانه ومكره هو معاقبة من يكيد للمؤمنين ويمكر بهم، فيأتيه سبحانه من حيث لا يحتسب ويعيد بقدرته جلّ وعلا مكره وكيده عليه، فيعاقبه بما ابتهج به من صناعة الأذى لأوليائه، فاحذروا عباد الله ما حذّر الله منه واتقوه تفوزوا بولايته فيكن معكم ويدافع عنكم.  

قد يظن البعض أن هذه سنة خاصة بالكافرين ولكنه الأدب القرآني حيث يُعلمنا استبعاد أن يحدث هذا الكيد والغش من المؤمنين، والمؤمن يعلم أن الأحكام عامة في كل من ارتكب ذات الخطيئة. فمن غشّ وخدع ومكر وكاد بمسلم فلينتظر عقوبة مؤلمة تناسب خديعته وغشه ومكره.

هي سنة الله وهي رسالة من الله لكل مؤمن لا تتألم لغش وخداع خسرت بسببه، ولا تتحسر على كسب ظنت أنك حرمت نفسك منه بسبب صدقك وحرصك على إخوانك المسلمين حتى ولو كثر اللائمون لك على صدقك، بل تيقن أن ما قُسم لك فهو المبارك وما صُرفت عنه فهو الشر والضر، وأي كسب صدقت فيه فهو رزق الله الذي ستقر به عينك.

وإن من المكر والكيد بالمؤمنين الجالب لمكره الله الغش في التجارة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» مسلم.

هذا الغش في البيع ببيع فاسد يُخفى أو بكمية تُنقص أو بدعاية كاذبة تزوّر فيها حقيقة السلعة وجودتها وكميتها وسعرها، كله سبب للحرمان من لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبب لمحق بركة ذاك البيع ومعاقبة البائع الغاش في نفسه أو أسرته أو بتسلط آخرين عليه، إذ الغش والخداع مكرٌ سيء ولابد وأن يحيق بصاحبه في سُنة عظيمة من سنن الله الكونية يلمسها الكثير في حياتهم.

وفي مقابل هذا تكن الرحمة مع الصدق والسماحة في البيع والشراء يقول صلى الله عليه وسلم: "رَحِمَ اللهُ رَجُلاً سَمْحاً إذا باعَ، وإذا اشْتَرى، وإذا اقْتَضى" البخاري.

ومن الغش التجاري الجالب لصاحبه المحق والإثم والخسران، الاحتكار وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام: «مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ» مسلم

ومن الغش التجاري الخاضع لسنة الله التستر التجاري لما فيه من الأضرار الاقتصادية والأمنية والاجتماعية ولما تعود به من أثر سلبي على الفرد والمجتمع.

وإن من إبراء الذمة وإحاطة النشاط التجاري بالبركة التزام المنشئات التجارية بالأنظمة واللوائح المعتمدة من الجهات الحكومية المعنية بحفظ حقوق ومصالح الناس والمجتمع، فمن اهتم بحفظ حقوق الآخرين حفظ الله له حقه، ومن احتسب تطبيقه للأنظمة طاعة لله ولرسوله وعناية بإخوانه المسلمين كان له ذلك الالتزام والتطبيق للأنظمة قربة تقربه لربه وغنيمة لابد أن يراها ويتمتع بها.

عباد الله البحث عن الكسب باستغلال حاجة الناس أو استدراج المتسوقين بالبغايا والفساق إنما تنبئ عن جهل بحقيقة قول الله تعالى "وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزۡقُكُمۡ وَمَا تُوعَدُونَ" والجهل بما وعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ليسَ مِنْ عمَلٍ يُقرِّبُ مِنَ الجنَّةِ إلا قد أمْرتُكم به، ولا مِنْ عَملٍ يقرِّبُ إلى النارِ إلا وقد نهْيتُكُم عنه، فلا يسْتَبْطِئَنَّ أحدٌ منكمٍ رزقَه؛ فإنَّ جبريلَ ألْقى في رُوعي: أنَّ أحَداً منكم لنْ يخرُجَ مِنَ الدنيا حتَّى يَسْتَكْمِل رزْقَهُ، فاتَّقوا الله أيُّها الناسُ! وأجْمِلوا في الطلَبِ، فإنِ اسْتَبْطَأ أحدٌ منكم رزقَه فلا يطْلُبْهُ بمعصيةِ الله؛ فإنَّ الله لا يُنالُ فضلُه بمعْصِيَتهِ. رواه الحاكم وصححه الألباني. ويقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» متفق عليه. وهذا الكسب باستغلال الحاجة وبتسويق البغايا والفساق كيد ومكر يُبشر صاحبه بعقوبة تناسبه وتردع غيره ولكن الله يمهله لعله يتوب ويقلع قبل العقوبة.

واعلموا عباد الله أن الاستغفار ماحي للسيئات جالب للبركات فطهروا سجلاتكم به وجمّلوا غنائمكم به وبه اجلبوا البركة في رزقكم واستغفر الله لي ولكم

 

الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام النبي الداعي إلى رضوانه محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وإخوانه وبعد عباد الله في شهر رمضان قابل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من أصحابه فقال له: «هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ شَيْئًا؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «فَإِذَا أَفْطَرْتَ رَمَضَانَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ» متفق عليه

وسرر الشهر قيل أوله وقيل أوسطه، وعليه فينبغي للمسلم أن يصوم ما لا يقل عن يومين من شهر شعبان استعدادا لرمضان وأن يكون ذلك قبل انتصاف شهر شعبان لمن لم يكن الصوم له عادة يقول عليه الصلاة والسلام: إِذا انْتَصَفَ شَعْبانُ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى يَكُونَ رمضان. أحمد والجماعة وصححه الألباني.

كما ينبغي المبادرة لقضاء ما أفطره المسلم من رمضان الماضي، وكذلك يجب تذكير أفراد الأسرة وبالأخص النساء عما إذا نُسي يوما كان يجب قضاؤه، فالقضاء الآن لمن لم يقض ما عليه قد أصبح واجبا لا يقبل التأخير.

تقبل الله من الجميع وبارك لنا في بيعنا وشرائنا وفي شعبان ورمضان وسائر الأيام والأعمال.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل