العلاقات الإنسانية جمال خلق وسبب للبركة حسن الأثر خطبة الجمعة 12 / 7/ 1444
الحمد
لله القائل "يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ
ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا
زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي
تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا"
أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم،
وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله بر رحيم بأمته إذ ما علم خيرا إلا ودلها
عليه ولا شرا إلا حذّرها منه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم
الدين وبعد عباد الله فاتقوا الله وراقبوه فإنه سبحانه كان عليكم رقيبا.
عباد الله لن يجد باحث في أي مصدر
تشريعي أو تربوي عناية بالعلاقات الإنسانية كما سيجدها في القرآن والسنة، في دليل
على عِظم العناية الإلهية بهذا الخُلق الجميل الذي هو سبب أوجده الله تعالى لرسم
الجمال في حياة الإنسان.
الله تعالى لما خلق الإنسان جعله ذا
طبيعة اجتماعية لا تستقيم حياته حتى يكون إنسانا في طبيعته مع مجتمعه، وهذه
الطبيعة الاجتماعية الإنسانية لا تستقيم ولا تجمُلُ ما لم تراع وسائلها وأوليات
مستحقيها، والتي بيّنها جلّ وعلا بقوله تعالى "وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا
تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ
وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ
وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ
ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا"
فقد جعل الله تعالى إحسان العلاقات الإنسانية
قريناً بعبادته، في تبيان لترابطهما وعدم انفكاكهما، ذلك أن جودة هذا العلاقة الإنسانية
تبعث في روح المسلم عافيةً وهمةً عالية، وتمحو كل همّ قد يعلق بالنفس جراء مكدرات
الحياة المختلفة، ومن عوفيت روحه وعلت همته وصفت نفسه حسنت عبادته لربه وضمن أجمل
أسباب الحياة وأعلى منازل الجنة.
ولأن الإحسان للآخرين قربة وخُلقٌ جميل يبعث
الجمال في الحياة، فقد رتب جلّ وعلا في الآية السابقة المستحقين لهذا الإحسان ولم
يذكر الزوجة والأولاد لأنهم عادة لا يحتاجون للتوصية ولا عبرة للشواذ من الناس، إذ
الإحسان إليهم فطرة كما قال سبحانه "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ
وَٱلۡبَنِينَ" وبقوله "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٗا لَّكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ
وَإِن تَعۡفُواْ وَتَصۡفَحُواْ وَتَغۡفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ"
وعدواتهم إنما هي بسبب قوة العاطفة لهم
وقوة انجذاب الإحسان إليهم فليسوا في حاجة لتوصية ينافسون بها غيرهم.
فالبداية بالوالدين، وبعدهم ذوي القربى
من الإخوة وذوي الرحم وغيرهم، ثم أشد الناس حاجةً في مجتمعك من اليتامى والمساكين،
ثم الجار في الحي الملاصق للبيت وغيره ما دام يصدق عليه أنه مجاور، وأولى الجيران
بالإحسان من كان ذا قرابة، ثم الصاحب بالجنب وهو ذو العلاقة العابرة كالضيف أو المصاحب
في رحلة السفر ويُلحق به زميل الدراسة والعمل وكل من صحبك صحبة عابرة راجيا أن
يستفيد منك، ثم يأتي ابن السبيل وهو المسافر الغريب الذي عجز عن العودة لأهله، وبعدهم
الخدم ومن ولاّك الله أمره.
كل هؤلاء تكن العلاقة بهم بأحسن ما تستطيعه
مما يناسب استحقاقهم فليسوا سواء في نوع الإحسان ولا في درجته ولا وسيلته، ومن
أخلّ بهذا الترتيب في إحسان العلاقة الإنسانية أفسد جمال حياته وحياة من كُلِف
بالإحسان إليه.
والإحسان يعني تقديم أفضل ما يمكن من
خدمة تملكها ويمكنك بذلها وهم يستحقونها، ليخرج بذلك المحتالون والهاربون من
الأنظمة والمتسولون والساخرون والمتربصون ونحوهم.
وإحسان العلاقة وفق ذلك الترتيب الإلهي
هو عنوان لصدق المشاعر في كافة العلاقات الإنسانية الاجتماعية وبالتالي هو سبب جمال
تلك العلاقة، فالصلة بالوالدين عنوان للصحب عن مصداقية صلة صاحبهم بهم، سواء الزوج
أو الزوجة أو الرفقة، فمن أحسن الصلة بوالديه وأسرته وإخوته فالإحسان خلق له فاحرص
عليه ووثق صلتك به، ومن قدمك في إحسان العلاقة على من أمر الله بتقديمه فاعلم أن
ثمة خُبث في النية وسوء في القصد فلا ترجو منه خيرا واحذره واسع لمجانبته.
الإحسان في العلاقة يكون ببذل ما يحتاجه
الآخرون منك لتحسن حالهم سواء من وقتك أو مالك أو فكرك أو قرارك أو مرحك، والبذل
إنما يكون من الزائد عن حاجة النفس قال تعالى "وَيَسَۡٔلُونَكَ مَاذَا
يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَ" فأولى الناس ببذلك أنت ثم الأقرب
فالأقرب، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْضَلُ
دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ، دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ» قَالَ أَبُو
قِلَابَةَ: وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا، مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ
صِغَارٍ، يُعِفُّهُمْ أَوْ يَنْفَعُهُمُ اللهُ بِهِ، وَيُغْنِيهِمْ" مسلم. والمقصود بعياله من يعولهم ويلزمه
مؤنتهم من نحو زوجة وخادم وولد. ويقول عليه الصلاة والسلام: "مَنْ سَرَّهُ
أَنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ
رَحِمَهُ". البخاري.
وهل جمال الحياة إلا في بسط الرزق وحُسن
الذِكر؟
وإن من الرسائل الخالدة في التاريخ
والمكتسبة بالفطرة بدون تعلم، رسالة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها للنبي صلى
الله عليه وسلم حينما جاءها خائفا مرتعبا بعد أول نزول للوحي عليه حيث قَالَتْ لَهُ:
كَلَّا أَبْشِرْ، فَوَاللهِ، لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، وَاللهِ، إِنَّكَ
لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ
الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. مسلم.
أو ليس هذ هو الإحسان في العلاقات
الإنسانية؟ بلى وربي وبه كان ويكون جمال الحياة.
هذا وإن لكل مستحق للإحسانِ إحسانٌ
يناسبه نوعا وقدرا ووسيلة. فاجعل من الإحسان سببا لتفوز بالحسنى ولا تجعله سببا
لشقائك حينما تحسن في غير موضع الإحسان، ومن رأيته قد أخلّ بذلك الترتيب فمنح
أصحابه إحسانا من وقته ومرحه وماله أكثر من أهله مع احتياجهم له فاحذره، ومن أضاع
وقته في لهو معرضا عما أمره الله به من عبادة ومن عناية بالمستقبل لنفسه ولأسرته فاحذره،
فإن من شوّه سيرته وشوّه صلته بالأقربين فصحبته ستجلب لك تشوه الدنيا والآخرة.
يسّر الله لنا ولأحبتنا من يعيننا على أنفسنا ويعيينا على أمور ديننا ودنيانا. بارك
الله لي ولكم
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم
سلطانه والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين محمد بن عبد
الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فلقد اعتنى جلّ وعلا بالعلاقات
الإنسانية في محكم كتابه في عدة آيات وعلى لسان نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام
فأمر بها وحثّ عليها وجعل الإحسان فيها علامة لعباده الصالحين، وأوجب سبحانه صلة
ذوي الرحم وأمر بإحسان الصلة بهم وأكّد على ذلك نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام،
ولكن الناس ليسوا سواء، فأحسن بحسب ما تراه مناسبا لحالهم ولصدقهم ولا تدعهم
يستغفلونك فتُخل بترتيب الله لدرجاتهم ولمستويات الإحسان إليهم فليس الكل سواء لا
في الأولوية ولا في صدق النية، وفي صلة ذوي الرحم كذلك ليسوا سواء فمنهم من هيء
نفسه لاستقبال الزوار ورسائل التواصل العامة، ومنهم من لا تسمح له ظروفه بكثرة
الاستقبال ولا للرسائل، وقد يتمكن البعض من زيارات ولقاء ذوي رحمه وقد لا يتمكن
البعض من اللقاء، فلكلٍ صلة تناسبه واصلاً أو موصولا، وكل أدرى بنفسه وبمن يزور
ويتواصل معه، والأهم إجابة الدعوة والمشاركة في الأفراح والأتراح بالوسيلة
المناسبة، وتذكّرهم بدعوة بظهر الغيب إذ الدعاء هو أجمل صلة.
وإن من الخطأ في صلة ذوي الرحم ما يظنه
البعض من ضرورة اللقاءات المستمرة والتواصل المتواصل في البرامج الإلكترونية، فإن
هذا من مسببات الملل من تلك الزيارات وذلك التواصل وهو إزعاج قد يكون سببا لحدوث ما
يجلب النفرة والفرقة، وهو دليل على عدم الإحسان في العلاقات الإنسانية، وقد قيل زر
غبا تزدد حبا ولا تكثر الترداد فتمل، وكذلك في رسائل الإلكترونية احذر الإكثار
والإزعاج واحذر نقل كل ما يَصلك وكل ما يُعجبك حفاظاً على صلتك بمن تحب.
وما من مغنم يجب أن يراعى ويحفظ ويصان
كمغنم جودة العلاقات الإنسانية وجمال الحياة بها، والحفاظ عليها إنما يكون بمراعاة
الترتيب الذي نبّه الله تعالى عليه وبالإحسان المستطاع. واعلم عبد الله أن حياتك
قصيرة وتواصلك محدد ومؤقت وقدرتك على الإحسان عابرة فاجعل الفرص المتاحة سببا
لجمال حياتك ولبسط رزقك وطول أثرك.
بسط الله لنا في الرزق ونسأ لنا في الأثر
وجعلنا من الصالحين.
تعليقات
إرسال تعليق