ردا على تطاول السفيه على نسخة من المصحف الشريف خطبة الجمعة 5/ 7 /1444

 الحمد لله العلي العظيم، ذي العرش المجيد والطول الشديد، أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام أنبيائه ورسله وصفوة، خلقه بعثه رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين وجعله قدوة للراغبين في رضاه وفي جناته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيقول جلّ جلاله "وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡ‍ٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ" ويقول سبحانه " يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ"

عباد الله إن مما قضى به الله تعالى على عباده الذين اصطفاهم وهداهم لصراطه المستقيم فآمنوا به والتزموا صراطه قضى أن يبتليهم بما يكشف لهم هم حقيقة إيمانهم وصدق مشاعرهم وثباتهم مع الصادقين من عدمه، وإن مما ابتلى الله تعالى به عباده المؤمنين هو كتابه الكريم حيث قرّبه إليهم ويسّره لهم وضاعف الأجر والمثوبة لمن تمسك به ولازم تلاوته وتعلمه وعلّمه.

إن هذا القرآن الكريم هو كلام الله تعالى تكلم به حقيقة كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، حفظه في اللوح المحفوظ ثم أنزله إلى السماء الدنيا ثم اُنزل بالتدرج حسب المصلحة آنذاك للنبي صلى الله عليه وسلم وللإسلام.

لك أن تتخيل أنك وأنت تقرأ هذا الكتاب العزيز إنما تقرأ خطاب الله تعالى لنبيه ولهذه الأمة، وأنك وأنت تقرأ القرآن فإن معك ملائكة يحسبون لك كل حرف تقرأه، وأنك وأنت تقرأ القرآن فإن روحك تتسامى وترتقي وتتعالج، وأنك وانت تقرأ القرآن فإنما تتعلم خبرات الحياة المختلفة في كل المجالات، وأنك وأنت تقرأ القرآن بقربك شيطان يحسدك ويسعى جهده ليصدك عن إكمال هذه التلاوة، أو يشتت تفكيرك عما تقرأ فتقل فائدتك. لتدرك بهذا عظيم الفضل الذي تعيشه مع هذا القرآن، وبالغ الحسد الذي تُستهدف به بسبب هذه النعمة القرآن الكريم.

الحديث عن القرآن الكريم حديث تشتاق له النفوس وتتلذذ به ولكن المقام لا يسع للمزيد، وإن مما جاء في القرآن الكريم من حقائق لابد أن نراها ونعيشها فإما نكسب منها خبرة أو يصدنا الشيطان عن التفكير فيها والاستفادة منها قوله تبارك وتعالى "لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ"

ولقد رأينا وسمعنا أذى كثيرا من المخالفين لنا في الدين وبقي تبين مشاعرنا وصبرنا وتقانا، يسعون للأذية وللاستفزاز ما وسعهم المجال، مستغلين حمق وجهل أفرادهم، ومستغلين سمو ورقي ديننا وأهله تجاه المخالفين، فالإسلام لا يسمح لمسلم بأن يتعرض لدين أو شريعة أو مذهب مخالف بالسخرية والاستفزاز تجنبا للإساءة لديننا كردود أفعال لهم والله تعالى يقول "وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرۡجِعُهُمۡ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ" وإنما بالمجادلة بالتي هي أحسن وبالنقد الهادف وبالتعليم لزراعة الوعي الصحيح.

وفي ابتلاء لنا دُفِعَ أحد السفهاء الغربيين لإظهار تهجمه على نسخة من المصحف الشريف بالإحراق وذلك في تحدٍ صارخ لمشاعرنا كمسلمين في هذا الكتاب الذي هو دستورنا والذي نؤمن بقدسيته ونعلم وندرك بأنه كرامتنا وعزتنا فهو كلام ربنا جلّ وعلا، وربنا يريد منا أن نظهر سلوكا نُبيّن به ردود أفعالنا المغيظة لأعدائنا، المتجلية في الصبر والتقى، الصبر على الاستفزاز والصبر على التمسك بهذا القرآن والدعوة إليه، والتقى في أعدائنا وفي ديننا وأنفسنا، وذلك بردة فعل مناسبة تغيظهم وترد كيدهم عليهم، والصبر والتقى التي أمرنا بها ربنا تتمثل في معرفة أننا أفراد وردة فعلنا يجب تكون مناسبة لوضعنا.

لنعلم أنه ما أغيظ خصم بمثل الهدوء والإعراض عن سلوكه السيء فلا نرد عليه مباشرة ولا نتناقل ما صوّره ونشره.

ثم بالاهتمام بمهامنا التي كلفنا الله بها نصرة لديه ولكتابه جلّ وعلا وترك مهام الدول والمنظمات لها، ولا نوهم أنفسنا بعجزنا لأننا لا نملك دور الحكومات والمنظمات ومن ثم نترك مهامنا التي سنحاسب عليها.

وكذلك نغيظه بتوظيف جريمته لمزيد تعظيم لما تعرض له بسوء، فنعقد اليوم عزما ونتخذ إجراء بوضع حد لتقصيرنا مع كتاب ربنا، فنستفتح يومنا بورد محدد من القرآن لا نتركه إلا من عذر، ونجعل القرآن أول أولوياتنا عند الفراغ، وتكون للقرآن الأولوية حين الرغبة في تقليب الهاتف المحمول.

إننا إن راجعنا ساعات يومنا وليلتنا فلابد أن نجد للقرآن متسعا في هذه الساعات، متسعا يفترض أن تحدث معرفته قلقا بشأن استثمار الوقت للحياة الأفضل، فلا نكتفي بالتلاوة في المسجد بل نختار وقتا ومكانا يعلم به أفراد الأسرة فنكون لهم قدوة، سواء أكنت أبا أو أخا أو ابنا فكن قدوة، فكم من أب كان قدوته للخير أخاه أو ابنه الصغير، ونحضر مجالس الذكر التي تعنى بهذا الكتاب الكريم أو نستمع إليها ونشاهدها.

المهم أن نتخذ سلوكا ننصر به كتاب ربنا في أنفسنا ونغيظ به أعداءنا ونكون به قدوة للمتقين من مجتمعنا.

جعلنا الله من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.


الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه وأشكره جلّ جلاله على ما هدانا وأعاننا وأسبغ علينا وأصلي وأسلم على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فنعيش هذه الأيام الشهر الذي اختاره الله ليكون أحد الأشهر الحرم كما قال تعالى "إنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ" وكما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ" متفق عليه.

وهذا الشهر المحرم تكثر فيه البدع والضلالات بسبب الجهل وبسبب كثرة نقل المعلومات المغلوطة التي توصي بالخير في هذا الشهر حتى يظنها القارئ والمستمع من كثرتها حقا فيضل بسببها والناقل يُضِل بسبب حرصه وجهله، والمسلم يعلم أنه لا يشرع في رجب من العبادات إلا اثنتين فقط.

الأولى: كفّ الأذى وتجنب الظلم للنفس وللغير، ومِن كف الأذى وتجنب الظلم عدم نقل كل ما يصل إليك من رسائل تعبدية لا تتأكد من صحتها، أو رسائل قذف وشتم للأفراد وللشعوب أو الحكومات.

أما الثانية: فلم يرد بها نص وإنما استحبها بعض الصحابة وأهل العلم ألا وهي العمرة في رجب.

وأما غير ذلك من صيام أو قيام أو تلاوة للقرآن فإنما يُشرع في شهر رجب ما يُشرع في بقية الأشهر عدا رمضان وعشر ذي الحجة.

فنغيظ الشيطان ونغيظ العدا بالتفقه في الدين والتمسك بالسنة ولزوم القرآن وتخيل الحال مع وعند تلاوته، وعقد العزم على أن نجعله أول أولوياتنا ما استطعنا لذلك سبيلا لنغيظ الشيطان ولنستثمر في حاضرنا وفي مستقبلنا جيدا بسبب القرآن.

ثم اعلموا عباد الله بأن حبيبكم محمد بن عبد الله لما حُرِم ما تمناه من رؤيتكم في هذه الدنيا فإن الله تعالى قد عوّضه بلقاء بكم يوم القيامة بعد دخولكم الجنة وقبل دخولها، ولن يمنعكم من اللقاء إلا الانصراف عن سنته وقلة صلاتكم عليه فأسعدوا أنفسكم بلقياه وبدخول الجنة بصحبته وبمجاورته في منازلها العليا بالتمسك بسنته "فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ " وبكثرة الصلاة والسلام عليه دوما

اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد نبينا وسيدنا وإمامنا وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل