خطبة الجمعة البيئة أمانة يجب تقوى الله فيها ورعاية آداب التعامل معها 29 / 5/ 1444

 الحمد لله الغني الكريم الملك البر الرحيم، واسع الفضل والعطاء، لا معطي لما منع ولما مانع لما أعطى، رحمته وسعت كل شيء، لا ممسك لرحمته إن أرسلها ولا مرسل لما أمسك جلّ وعلا وهو الحكيم الخبير، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد عباد الله فيقول ربنا تبارك وتعالى

 "وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ طِبۡتُمۡ فَٱدۡخُلُوهَا خَٰلِدِينَ () وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ وَأَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَيۡثُ نَشَآءُۖ فَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ"

يصف الله تعالى لنا حالا جميلة وفرحة كبيرة لأناس حققوا تقوى الله، اتقوا الله حينما كان بمقدورهم مخالفة أمره، وحين كانت أعين الرقيب بعيدة عنهم، فلم يردعهم عما حُرّم عليهم سوى أنفُسهم الزكية اللوامة، فاستحقوا تلك الحال وتلك الفرحة وذاك النعيم، جعلنا الله وأحبتنا منهم ومعهم.

عباد الله يقول عز وجّل 

"وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡزُونٖ وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسۡتُمۡ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ"

ويقول سبحانه 

"وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَآءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا وَٱلۡجِبَالَ أَرۡسَىٰهَا مَتَٰعٗا لَّكُمۡ ولِأَنۡعَٰمِكُمۡ"

عباد الله لقد جعل الله عزّ وجلّ البيئة الطبيعية متوازنة في نوعية البذور والتربة وزمن الإنبات والاحتياج من الماء هذا التوازن في البيئة هو سبب ازدهارها ونمائها، كما أنه سبحانه جعل هذه البيئة الجميلة للمتعة أكلا ورعيا وتنزها، فإن تحولت المتعة إلى كفر للنعمة تحول الفضل إلى حرمان وعقوبة، وإن سيطر العبث على ذاك التوازن فسدت الأرض.

 لقد ابتلينا بمن لا يبالي بسنن الله الكونية، فلا يبالون بأن الله تعالى قد جعل لكل شيء قدرا وأن لكل شيء سببا وأن كل شيء موزون بقدر محدد، فبلهوهم المنفلت، وبالاحتطاب والرعي الجائر أفسدوا الأرض من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون!

لقد حرم الله تعالى الإفساد في الأرض بأي شكل من الأشكال، وخصوصا ما كان إفسادا لا صلاح له وما كان إفسادا لا مغنم للمفسد منه.

وإن مما يعجز القلم واللسان عن وصفه هو تلك الحال المتردية التي وصلت إليها بيئتنا من تصحر وإتلاف وتلوث، حالا تكشف جهلا بسنن الله وتكشف كفرا لنعمة الله؟

بسبب فكره وقِوام جسده حُمِّل الإنسان أمانةً في جوانب كثيرة من حياته وفيما يتصل بحياته، ومن ذلك البيئة التي يعيش فيها أؤتمن عليها حتى في أدق تفاصيلها، ومن أداء الأمانة رعاية هذه البيئة حتى ولو لم توجد لها حماية وحتى لو كان المرء لوحده، وهنا تتجلى التقوى في أجلّ وأبهى الصور حينما لا يحرك المرء إلا نفسه اللوامة المحفّزة للخير.

لقد جعل الله تعالى الأرض زينة ومتعة ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الخروج للبادية إذا أخذت الأرض زينتها وربت وأنبتت من كل زوج بهيج. عَنِ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْدُو إِلَى هَذِهِ التِّلَاعِ، وَأَنَّهُ أَرَادَ الْبَدَاوَةَ مَرَّةً، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ نَاقَةً مُحَرَّمَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَقَالَ لِي: "يَا عَائِشَةُ: ارْفُقِي، فَإِنَّ الرِّفْقَ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا شَانَهُ" أبو داود وأحمد وابن ماجة وصححه الألباني.

فاخرج رعاك الله وتنزه واستمتع ولكن ارفق على بيئتك التي وهبك الله، استمتع وتجنب ما يتلفها ويفسدها، تنزه واستمتع ولكن لا تتلف الأرض بإيقاد النار في منابت العشب مباشرة، استمتع ولكن لا تطأ عشبا غضا فتتلفه وتتلف بذوره، استمتع وحافظ على نظافة بيئتك بكيس نفايات تحمل فيه مخلفات طعامك وشرابك ومن ثم تشوه منظرا جمّله الله ويشتاق الناس إليه ولربما هلك بسببها ماشية أو تلوّث الجو، تنزه واستمتع واحذر وحاذر من قطع شجرة فعن عبدِ الله بنِ حُبْشِي قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَطَعَ سِدْرَةَ صَوَّب اللهُ رأسَهُ في النارِ" سئل أبو داود، عن معنى هذا الحديثِ، فقال: هذا الحديثُ مختصرٌ، يعني: مَن قَطَع سدرةً في فلاةٍ يَستظِل بها ابنُ السبيلِ والبهائمُ، عَبَثاً وظلماً بغير حَق يكونُ له فيها، صوَّبَ اللهُ رأسَه في النار. أبو داود والنسائي وصححه الألباني. وقد صح عن علي رضي الله عنه أنه نادى قائلا: مِنَ الله تَعَالى لاَ مِنْ رَسُولِهِ: لَعَنَ الله قَاطِعَ السِّدْرِ. البيهقي والطبراني وصححه الألباني. وفي الحديث عن معاذٍ قوله عليه الصلاة والسلام: اتَّقوا المَلاعِنَ الثَّلاثَ: أنْ يَقْعُدَ أحدُكُمْ فِي ظِلَ يُسْتَظلُّ فِيهِ أوْ فِي طَريقٍ أوْ فِي نَقْعِ مَاء" أحمد وابن ماجة. والمراد قضاء الحاجة ومن ثم إفساد المكان وتلويثه.

وإنك إذا رأيت أولئك العابثين في الفياض والرياض فأهلكوا الزرع وخربوا الأرض لتخشى عليهم ان يلحقهم ما وُعِد به قاطعوا الشجر، وذلك لتعرضهم بفعلهم هذا للعنات الناس وأيضا لتشاركهم في الإفساد المتعمد وحرمان العباد من الحق في الاستفادة والتمتع بما أنزل الله وأباح.

كما حرم الله تعالى تعريض النفس والأموال للهلاك ومن ذلك النزول للأودية أثناء جريانها ومسابقتها أو قطعها، أو التخييم وسط مجاريها حتى ولو لم توجد بوادر سيول.

تنزه رعاك الله واستمتع وتفكر في قدرة الله واجعل رحلتك عبادة تعود عليك بالمتعة والفائدة والصلة القوية بالله.

اخرج رعاك الله للبرية وتنزه واتق الله في نفسك وفي مالك وفي بيئتك.

تنزه واستمتع وراع الأنظمة التي أقرتها الدولة رعاية للبيئة فإنك في القادم القريب ستحمدها على هذه الأنظمة وستحمد نفسك أن كنت شريكا في رعاية البيئة بمراعاة هذه الأنظمة، وإن الواجب علينا الحفاظ على نعم الله وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وعليه فيحرم مخالفة الأنظمة التي ترعى هذه النعمة.

وإن رأيت ما يعجبك فسبح واستغفر وسل الله من فضله، أسأل الله في هذه الساعة أن يغفر لي ولكم وللمسلمين أجمعين

 

الحمد لله العلي العظيم الولي الحميد يعمّ بالرحمة ويُسبغ الفضل ويوالي النعم علّ العباد أن يتقوا ويتقربوا والصلاة والسلام على نبي الرحمة وإمام الهدى أوصى بالرفق في كل شيء رحمة بأمته وجمالا لها وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فلنكن عونا لبعضنا في تقوى الله بالتذكير بالحقوق علينا وبالأخص فيما يتعلق ببيئتنا علّها تعود جميلة مُثرية بالخير لسكانها ولزوارها.

عباد الله إن زينة الحياة في مختلف أوجهها تحتاج لزينة الصلة بالله ومن ذلك الألفاظ والكلمات التي ننطق بها خصوصا فيما يتعلق بما اختص الله بعلمه وتدبيره كنزول الغيث، لقد حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما من أصحابه الكفر لأنهم قالوا في ليلة مطيرة مطرنا بنوء كذا وكذا وعلّمهم أن يقولوا مطرنا بفضل الله ورحمته، وإن من زينة القول وحسن الصلة والأدب مع الله أن نقول هناك تباشير حالة مناخية أرسلها الله، حالة قادمة بأمر الله، سينزل الله خيرا في هذه الحالة التي أرسلها، ولا نقول حالة قادمة ونجرد الخبر من تدبير ورحمة وحكمة الله ولو كانت النية صالحة.

عباد الله ما أعظم رحمة الأم بولدها! وما ظنك بها مع ولدها؟ إنها تبادره قبل أن يحتاج، وإن سأل لم ترده، وإن طلب لبت طلبه، وإن أقبل معتذرا فرحت بقدومه ونسيت ما كان منه، وإن تيسر لها ما تقدمه أعطت ولدها بلا حساب. وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله تعالى أرحم بنا من أمهاتنا.

اللهم وأنت الرحمن الرحيم وأنت الملك العظيم اللهم مولانا وولينا ومالك أمرنا رحمتك وسعت كل شيء ونحن عبادك الفقراء الضعفاء المحاويج اللهم فبادرنا برحمتك واقبل قدومنا لأبوابك واغفر ما كان منا من خطأ وتقصير

اللهم نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الغني الكريم البر الرحيم غيثا مغيثا هنيئا مريئا مريعا هادئا ديما اللهم يا ولي يا حميد أدركنا برحمتك فقد مسنا الضر وأنت أرحم الراحمين لا تردنا ربنا وإن كنّا مسيئين مقصرين فها نحن ربنا بين يديك معتذرين. لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين فاغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا وعجّل لنا بغيث يُجري أوديتنا ويملأ سدودنا تهتز به أرضنا وتربو وتزين، ويكون بلاغا لنا إلى حين نستغفرك الله ونتوب إليك فاغفر لنا وأرسل السماء علينا مدرارا يا أرحمن الراحمين يا ولي يا حميد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل