رسالة في التربية الجمعة 10 / 4/ 1444
الحمد لله الخالق البارئ الملك علّام الغيوب، أشهد ان لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد ان محمد بن عبد الله عبده ورسوله النبي المصطفى والحبيب المجتبى عليه صلوات ربي وسلامه وعلى آله وأصحابه والتابعين له إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله وأدى حقه الذي افترض وصونوا أمره ونهيه عن استهانة النفس به والجرأة عليه. يقول تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ" ويقول سبحانه "ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِ"
عباد الله خلقنا ربنا تبارك وتعالى
واستخلفنا بعد آبائنا في أرضنا لنعمرها بغنائمنا الدينية من قيم وأفكار، استخلفنا
بعد أجدادنا لنعتني بتاريخ خلّفوه لنا، إن كان حسنا فأمانتنا أن ننميه وإن كان غير
مرض لنا فأمانتنا أن نحسّنه ونسلمه لمن بعدنا أفضل ما يكون، فالاستخلاف هو لمن
سبقنا وليس استخلاف عن ربنا جلّ وعلا.
وأداة الاستخلاف الرئيسة هي التربية، تربينا
وفق بيئتهم وقدراتهم، ونربي وفق بيئتنا وقدراتنا، وستربي ذريتنا ذريتهم وفق بيئتهم
وقدراتهم، والكل مؤتمن على بذل جهده وفق ما تيسر له، والكل لا يلام ما دام بذل
جهده، ومن انتقص من قبله فسينتقصه من بعده.
التربية أمانة حمّلها الله تعالى للإنسان،
والله جلّ في علاه لا يكلف نفسا إلا وسعها ولا يكلف نفسا إلا ما آتاها، ولذا
فالتربية ليست بالمعقدة ولا بالمتعبة بل يسيرة سهلة في حالة عرفنا ما المطلوب منا وهو:
·
استشعار الأمانة، أمانة التربية على تجويد
وتحسين الصلة بالله تعالى في كافة الجوانب وأمانة التربية على تجويد وتحسين الصلة
بالآخرين القريب والبعيد كل بما يناسبه وكل بحسب درجة قربه. فالصلة مع الله ومع
الآخرين هو سبب عمارة الأرض عمارة محمودة، ولقد رتّب الله جلّ في علاه درجات القرب
تصاعديا في قوله تعالى " يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ
مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ" فالمشاعر الأقوى
هي للأولاد ثم الزوجة ثم الوالدين ثم الإخوة، ومن أخلّ بهذا الترتيب فالخلل سيكون
أكبر في صلتهم بغيرهم ومن ثم في عمارتهم لتاريخك ولأرضهم.
·
والأمر الثاني مما ييسر التربية، القدوة:
قدوة في الصلة بالله تعالى كما أحب الله جلّ في علاه وقدوة في الصلة بالآخرين.
· والأمر الثالث الرفق
في التعامل والتوجيه "فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ
لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ" وفي الحديث "إِنَّ
الرِّفْقَ، لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا نُزِعَ مِنْ
شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ».
رفق في كل الشؤون
سواء فيما يتعلق بالتوجيه في الصلة بالله تعالى أو في التعامل معهم ومع الآخرين أو
مع التحصيل الدراسي وغيره، وإن نزع الرفق من البيت فهو بيت محكوم عليه بالتعاسة
والفشل والقطيعة عياذا بالله تعالى.
·
والأمر الرابع: الحذر من المقارنات بين الأبناء
وبين الناجحين غيرهم، فإن هذه المقارنات خطيرة ومفسدة لكل الجهود، وإن كان ولابد
فيثنى على السلوك لا على الشخص، فأثني على العناية بالصلاة وأثني على النجاح ونحو
ذلك بدون ربط بالأشخاص، لأنهم أعرف بسلوكيات بعضهم ويعرفون ما لا تعرف وقد يتأسون
به فيما لا تحب نكاية بك والسبب ثناؤك عليه، هذا إن لم تتولد الأحقاد بينهم بسبب
هذا الثناء.
·
والأمر الخامس: الدعاء فلقد أثنى الله تعالى
على المؤمنين بقوله "وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ
رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا
لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا" فادعوا لأنفسكم ولأولادكم واحذروا الانفعال الذي قد يدفعكم للدعاء
عليهم فتخسروهم وتخسروا أنفسكم. وأسمعوهم الدعاء لهم.
· والأخيرة هي في
المتعة، الاستمتاع بالأسرة والاستمتاع بتربيتهم والاستمتاع معهم، فيكون كل توجيه سببا
لمتعة حتى الأمر بالذهاب للصلاة! ولا تسمح لخطأ أو لضغط ظرف ما أو عمل أو لنميمة أن
تفسد العلاقة بينك وبين أولادك أو زوجك، فلنجعل الحياة مع أسرتنا سعيدة طوال الوقت
ما أمكن.
إذن في زمن تتلاطم
فيه أمواج الفتن وكثر فيه تقلب القلوب فإن أسرتنا بحاجة إلى أن نعينها على الثبات
من خلال أمور يسيرة هي: استشعار الأمانة والقدوة والرفق والدعاء والمتعة بهم ومعهم.
واعلموا عباد الله أن الأسرة مأخوذة من
الأسر وهو الشدّ والحجز والمنعة. فإذا لم تحجز الأسرة أفرادها وتشدهم لبعضهم
وتمنعهم من الانحراف فثمة خلل يحتاج لمراجعة.
والتربية: هي نتاج درجة الوعي بقيم الأسرة
وظروفها المختلفة، فمن خالف قيم أسرته فثمة خلل في توعيته بها.
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعنا
بما فيهما من الآيات والحكمة ووهبنا قرة العين في أُسرنا وفي شأننا كله وغفر لنا
أجمعين وللمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
الحمد لله العلي العظيم، حمدا يليق بجلال
وجهه وعظيم سلطانه، والشكر له سبحانه على سابغ فضله وآلائه ونعمائه والصلاة والسلام
على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد عباد الله
فاتقوا الله واعلموا أن بيوتنا
بحاجة لتوعية تشد من الأواصر وتحجز الشر والتنافر وتمنع سوء التفاهم وتحول دون
الانجرار وراء كل مفسد. فاعتنوا رعاكم الله بما حمّلكم سبحانه من أمانة، واستعينوا به جلّ جلاله
على أداء ما تقر به أعينكم في الدنيا وفي الآخرة.
وأظهروا حبكم لذريتكم تأسيا بحبيبكم ونبيكم عن
بُرَيْدَةَ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى
الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ إِذْ أَقْبَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يَمْشِيَانِ
وَيَعْثُرَانِ، عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ قَالَ: فَنَزَلَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمَلَهُمَا، ثُمَّ قَالَ:
"صَدَقَ اللَّهُ {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} إِنِّي
رَأَيْتُ هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَلَمْ أَصْبِرْ
حَتَّى نَزَلْتُ وَحَمَلْتُهُمَا" أظهروا الحب حتى في المنع مما يحبون، وأسمعوهم
الدعاء لهم، وعاونوهم على المحافظة على قيمكم بالقدوة وبالتذكير وبالعتاب اللطيف،
وساعدوهم لتحقيق آمالكم فيهم بمتابعة لطيفة لا تكسر فرحتهم ومتعتهم ولا بما يشككهم
في ثقتكم بهم، ولا تنسوا أن أعدائكم من شياطين الجن والإنس يسابقونكم إليهم
فاستعينوا بالله لعمارة أسركم التي استخلفكم الله فيها قبل رحيلكم.
تعليقات
إرسال تعليق