حول كسوف الشمس وخسوف القمر ( نسوا الله فأنساهم أنفسهم )
يقول الله تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ"
نتأمل في هذه الآية فنجد رسالة رحمة وحب من الله العلي العظيم لعباده الضعفاء، الرب الذي يعلم ما سيكون عليه الحال غدا، الغد الذي يراه الناس بعيدا ولكن الله يراه قريبا.
الغد هو يوم لقاء الله تعالى للحساب والجزاء، الغد يوم لقاء الله لشكر المحسن الذي كان يرقب الله في يومه، ذاك الغد هو يوم عدم القدرة على الرجوع لاستغلال اللحظة بشكل أفضل، ذاك الغد هو يوم النظر للماضي وترديد يا ليتني عملت ويا ليتني لم أترك ولم أتكاسل.
رسالة الله الرحمن
لعباده لا تعتدوا بلحظات الرخاء والسعة والقدرة التي أنتم عليها الآن، استمتعوا
بالنعم ولكن لا تنسوا حقيقة ترونها بأعينكم فيمن حولكم وفيمن سبقكم وهي حقيقة
الضعف المؤكد والندم على لحظة مضت كان بالإمكان استغلالها لتلافي هذه الحسرة.
رسالة تحذير إلهية لعبده المؤمن لا تكن مثل الذي نسي الله
فأخذ من نعم الله سببا للغفلة والمعصية وسببا للتعلق بغير الله تعالى فعاقبه الله
تعالى عقوبة عاجلة بأن أنساه نفسه، فحُرم الفوز بقرب خالقه ومن ثم حرم الجنة! وهل ينسى
الإنسان نفسه؟
تأمل كلنا نشكي الغلاء وارتفاع الأسعار، ومع ذلك نستمر بالترف والإسراف في الاستهلاك بأكثر مما كنا عليه قبل الغلاء. الكثير نسي نفسه فاستطاب عيش اللحظة ونسي حاله المتكررة آخر كل شهر، بل ولا يراجع نفسه مع أنه لا يتوقف عن التذمر من قلة ما في يده! أليس هذا نسيانا للنفس؟
كثير اليوم في
الصلة بالله تعالى مثل هذا المسرف المتذمر.
ولكن رحمة الله واسعة وعافيته أسبق وأوسع وأرجى
من عقوبته.
عفا الله لنا عن الخطأ والنسيان ودعانا للتوبة تمحو الذنب وتجعله كأن لم يكن. أعطانا الله تعالى أمانا من غضبه إن أخذنا به نجونا "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ"
ولئن مضى رسول
الله صلى الله عليه وسلم فإن سنته باقية، وإن حضرت سنته أمره ونهيه وخلقه في
السلوك العام لنا فنحن في أمان، وإن كان الاستغفار حاضرا في ألسنتنا وفي قلوبنا
نختم به صلواتنا ومجالسنا ونبادر إليه كل ما أخطأنا فنحن في أمان بوعد ربنا.
بالأمس القريب عباد الله حدث كسوف للشمس، ولا
يختلف اثنان في أن هذا نتيجة حركة للأجرام السماوية يرصدها الفلكيون بخبرتهم وأجهزتهم
ويعرفون وقت الحدوث قبل وقوعه بزمن، والمؤمنون وسط بين الفِرق فلا جهل يوهم بأن
الشمس كسفت بنفسها وأنها مؤثرة بنفسها، ولا جهل يوهم بأن الحدث مجرد من الرسائل
والتنبيهات، وإنما علم وإيمان بأن هذا التغير في حركة الأجرام السماوية هو بأمر
الله لتوصيل رسالة الله لعباده أن قد نسيتم وغفلتم فانتبهوا لا تتمادوا فتنزل بكم
عقوبات الله وأولها إعراضه سبحانه عنكم.
لما كسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم فزع للصلاة وأطال الصلاة وأكثر من التودد والرجاء لله في أن يغفر ويرحم
ويعفو مع أنه رسول الله، وحريٌ بنا ونحن المقصرون أن نكون بمثل هذا المستوى من التذكر والفزع من رسول الله وأحق بطلب العفو
والمغفرة.
هنيئا لمن صلى صلاة الكسوف فلقد حافظ على
السُنّة وعاش السُنّة، ودخل وأدخل وطنه منطقة الأمان بإذن من وعد بالأمان، أفلح وطنٌ فَزِعَ أهلُهُ للصلاة وتنادوا بالتوبة وأكثروا الاستغفار.
الاستغفار أمان بوعد الله من كل عقاب، وهو سبب بأمر الله لكل خير عاجل وآجل عُلم أو جهل.
إن حدوث الخسوف والكسوف آية ورسالة ربانية عظيمة لا زال المعظّمون لربهم يتّبعون أحسن القول فيعظّمونها مهما كان حال غيرهم تجاهها، ويستعينون بكل ما يتيسر لهم من تقنية وإعلام للامتثال لأمر ربهم والاقتداء بسنة نبيهم، ويعملون على التذكير بقيمة تلك الرسالة الربانية ويزرعون في نفوس من تحت أيديهم تعظيمها، بهذه الآية يستذكرون مراقبة ربهم لهم ويستشعرون عظيم رحمته بهم إذ أنذرهم وذكّرهم، فيقبلون على ربهم يستغفرونه ويتوبون إليه يدرؤون عقوبة مستحقة، يغدون ويروحون ليشتروا أنفسهم فيعتقوها من أَسرِ الشيطان لها وينقذوها من مصاحبة الشيطان حيث كان.
الخطأ قدر من الله على البشر، والتوبة والاستغفار هداية من الله لمن طهر قلبه ورغب في جنة ربه، فاستهدوا الله يهديكم واستغفروه يغفر لكم وسلوه من فضله يستجب لكم.
اصحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم معكم لتأمنوا سخط ربكم
وذلك باتباع سنته وبالإكثار من الصلاة عليه فهذا أمر ربكم وهي وصية حبيبكم، ربكم
يصلي عليكم عشرا بكل صلاة ونبيكم يرد عليكم السلام بإذن ربه.
تعليقات
إرسال تعليق