خطبة الجمعة بعنوان نعم الله علينا وواجب شكرها

 الحمد لله ذي العزة والجبروت العلي ذي العرش العظيم الملك العزيز الحكيم، أشهد أن لا إله هو وحده لا شريك له، له الملك وله الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وصفيه وخليله، وأن السعيد من سعُد باتباعه والتزام سنته فصحب اليوم خلقه كي يكون في طريق الفردوس بصحبته، فصلوات الله وسلامه على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين.

 وبعد عباد الله فاتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين قد رضيهم سبحانه وأحبهم فهو وليهم، نسأل الله العون على أن نكون منهم. عباد الله إن أعلى المقامات وأسماها مقام الشاكرين، فالشاكرون هم أقرب الناس إلى الله وهم أحق الناس برضا الله وهم الموعودون بتزايد فضل الله. وإن المؤمن الشاكر هو الذي عرف نعم الله واعترف بها فاستعان بها على طاعة الله. 

وإن من النعم نعمٌ خاصة بالفرد ونعمٌ عامّة للمجتمع، ومن أفضل وأعلى وأسمى نعم الله علينا في هذا الوطن نعمة الهداية للسنة التي هي الصراط المستقيم الذي رضيه الله لعباده المؤمنين، وتبعا لنعمة السنة كانت نعمة الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله كما قال تعالى "وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ

إن الهداية للسنة عباد الله فضل عظيم من الله لا يدركه إلا من تأمل فيمن حوله ومن سبقه ممن اختاروا منهجا بعيدا عنها، إن في اتباع السنة طهارة من الشرك وسلامة من الذل للأوثان من المقبورين والجمادات وغيرها من المخلوقات الضعيفة، إن في السنة عزة وشموخ وسعادة دائمة إذ الصلة بالله عزّ وجلّ كل حين وبدون واسطة. عباد الله دوما يدعونا ربنا تبارك وتعالى للتأمل والتفكر في أنفسنا وفيما حولنا وفي أحوال غيرنا ممن مضى أو عاصرنا، فبضدها تتبين الأشياء، حينما يكشف الله تعالى لك شيئا من أخبار من حولك وتقارنها بما لديك حتما ستدرك نعمة الله عليك. 

كان الإعلام الغربي يصور لنا حياتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بكثير من الجمال ويحدثنا عن حرية الرأي وديموقراطية الحكم وفرص الحياة المتاحة لجميع البشر، ولقوة إعلامهم صدقهم الكثير وتمنى حياتهم الكثير، فلما قضى الله بأن يذيقهم بعض ما صنعوا في بلاد العرب تجلت صور البطش بالمعارضين، ولما ماتت ملكة الصليب رأى العالم عيانا ما أخفي طويلا، يفخرون بتاج العرش الذي يحمل ذكرى أمم تم البطش بها وسفك دماء أهلها واستغلال ثرواتها ثم يقولون الإسلام دين تطرف وإرهاب والصليب وأهله حمامة سلام، ويستمر البعض في الإعجاب بهم وبما يأتي منهم، فكشف الله ما أُخفي فهل من شك في وجوب شكر الله على نعمة الإسلام؟ وعلى نعمة وطن وقادة يحكمون به؟ ماتت فتبين للعالم كِذبة الجلوس الشرفي على العرش، وتبينت كِذبة أن الدين لا علاقة له بالحكم، شاهدنا وسمعنا كل ذلك من خلال إعلامهم وهنا نتذكر مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه "لا يعرف الإسلام من لا يعرف الجاهلية" من جهل حقيقة الأمم الأخرى وأنظمتها الحاكمة الأخرى فلن يدرك قيمة ما هو فيه من نعمة هداية ونعمة نظام شرعي يُحكم به، ونعمة حاكم يرى نفسه مواطنا. 

فنحمد الله نعمة السنة ونعمة هذا الوطن بهذه القيادة. قالوا بأن تلك الملكة كانت تعد لجنازتها منذ عشرات السنين وتنفق الأموال الطائلة كل عام في محاكاة للحدث حتى لا يحدث خلل حين التنفيذ بالرغم من أنها ستكون ميتة حينها! 

والشعب يعاني من تضخم بالغ في الأسعار ومهدد بشتاء يحرم فيه من الطاقة للتدفئة، ومع ذلك اصطف الكثير منهم للمرور بقرب جثتها في طابور طويل تصل مدة الانتظار فيه إلى 13 ساعة إضافة لتقديم الورود المكلفة لمن لا يرجى علمه ولا ثوابه! ثم يقال بأن عقيدة السمع والطاعة وفريضة الاعتصام مع الجماعة ذل ومهانة! هنا نستحضر شكوى الفاروق عمر رضي الله عنه حينما قال "اللهم إليك أشكو جلد الفاجر وعجز الثقة"

 والثقة المؤمن الصادق الذي يدرك نعمة الله ثم يُفرّط فيها، المؤمن الثقة الذي يدرك بأنه أثناء عمله الصالح أيا كان فهو بين يدي ربه ويناجي ربه وربه ينظر إليه ويسمعه ويبادره بإعانته وبإجابة طلبه، ثقةٌ تُعرض عليه المهام القيادية ذات المسئولية والارتباط سواء في جهة عمله أو في حيه كوظائف المساجد، ثم يتهرب خشية الحرج وخشية التعب وخشية الارتباط. 

روى الحاكم في المستدرك أن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «تَمَنَّوْا»  فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ مَمْلُوءَةٌ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَتَصَدَّقُ، وَقَالَ رَجُلُ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهَا مَمْلُوءَةٌ زَبَرْجَدًا وَجَوْهَرًا فَأُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَتَصَدَّقُ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: «تَمَنَّوْا» فَقَالُوا: مَا نَدْرِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: «أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهَا مَمْلُوءَةٌ رِجَالًا مِثْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ» 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» مسلم.

 لقد منّ الله علينا بوطن يحتاج منا جميعا العمل على ازدهاره ونمائه واستقراره، وطنٌ يموت فيه المواطن والملك فلا تجد فرقا في التكفين ولا في الصلاة ولا في التشييع ولا في الدفن ولا في شكل القبر.

فحمدا لله وشكرا نعمه العظمى المتزاحمة التي لا تحصى. والحمد لله وطنا مملوء فرصا للعمل مملوء تحديات، والمؤمن الثقة لا يقبل أن يكون ضعيفا هامشيا ينتظر ما لا يأتي ينتظر الفرص أن تدعوه أو تدعى إليه بل يكون مؤمنا ثقة يسعى مضحيا بوقته مستثمرا فكره وطاقته بلا عجز في نفع نفسه وأسرته ووطنه. والحمد لله الذي منّ علينا بأفضل ذكر وأحبه إليه الاستغفار في كل وقت كي يغفر فلا يبقى ذنب ولا همّ يقلق عبده.

 

الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده سبحانه واشكره وأثني عليه الخير كله وأصلي وأسلم على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فاتقوا الله واعلموا أن الله تعالى قد قرن ثبات نعمه وزيادتها بالشكر له سبحانه، والشكر إنما يكون بمعرفة النعمة والاعتراف بها والاستعانة بها على الطاعة. 

وافد عربي كبير السن يجلس في بقالة صغيرة وحيدة في مدينة صغيرة في أطراف المملكة قال: إنكم في الجنة! ويتساءل هل من شيء تشتهيه ولا تجده هنا! بالرغم من بساطة ذلك المحل وقلة معروضاته، فقلت كيف لو رأى ما ههنا في مدينتنا هذه بل ماذا لو رأى ما في العاصمة والمدن الكبرى؟ 

إننا لفي جنة ولن يخرجنا منها إلا ما أخرج إبليس من الجنة الكبر وعصيان أمر الله والجرأة على مخالفة أمره وجحود نعمه والعجز عن تحمل أمانة العمل التي يسر الله لنا، هذا وإن الكفار يأتمرون بنا ويحاربوننا بإعلام يدفعنا للغفلة عن جنة الله التي امتن بها علينا بل واحتقارها ويجمّل لنا جحيما يعيشه الكثير ممن صدقهم، فلنكن على حذر منهم ولندافع عن وطننا فهو حصن ديننا، ولنظهر الغيرة على الوطن ورموزه ولنظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما أمر وبيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنعتن بشكر النعم يُزاد فيها لنا ولنعتن بسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولنكثر الصلاة عليه دوما فإن الصلاة عليه صلة به وسبب للحاق به جعلنا الله من السعداء باتباعه وبصحبته

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل