خطبة الجمعة بعنوان " و أعوذ بك من زوال نعمتك "

 الحمد لله العزيز الحكيم، ذي العرش العظيم الفعّال لما يريد، بيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين وصفوة المتقين الشاكرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله

فاتقوا الله فإنه سبحانه خبير بما تعملون وهو جلّ جلاله سريع الحساب، يرضى عمن حمد وشكر ويغضب على من جحد واستكبر.

 يقول جلّ جلاله "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ" ويقول سبحانه "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ"

 يُنبّه جلّ وعلا إلى مسائل منها أننا نخلف بعضنا بعضا فنعمر الأرض بعد من سبقنا ثم سنتركها لمن يعمرها، وكل ما بأيدينا وكل تمايز بيننا هو ابتلاء من الله لنا سواء كثُر أم قلّ، كما ينبّه تبارك وتعالى إلى هذا التغير في الأرض برحيل أهلها وتغير أحوالهم مما يحدث تناقصا لما يُرى أنه كمال وجمال، فالتغير سنة كونية والثبات عرض لا يستمر، وكل ذلك لأن الله قد حكم ولا معقب لحكمه وهو سبحانه سريع في محاسبة خلقه يمهل من أراد القضاء عليه، ويعجّل جلّ جلاله بتغيير على من أراد تنبيهه كي يعجّل بالعودة والأوبة.

ثبت في الحديث الصحيح عند مسلم غيره أنه كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ» مسلم.

بمقاييسنا الحالية ما هي النعمة التي كان يعيشها النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه؟

وهل يمكن أن يسخط الله تعالى على نبيه وهو العبد الشكور؟

بل وهو الذي وصفه الله بانه أمان لجيله كاملا؟

إن من أسوء الصفات بل من أعظم الذنوب هو الجهل بنعمة الله وانتقاص نعمه وعدم حسب حساب لمكر الله تعالى، إن الله جلّ في علاه يمكر مكرا ليس كمكر البشر الذي يقوم على التحايل لإيقاع الشر، وإنما مجازاة الماكرين من جنس مكرهم وبرد مكرهم عليهم من حيث لم يحتسبوا، وبإنزال العقوبة على المذنبين بعد إعلامهم وإنذارهم من حيث أمنوا ولم يحتسبوا.

 يقول عليه الصلاة والسلام: اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، بمعنى ذهاب ما حسُنت به معيشتي واطمأننت إليه.

وتحول عافيتك: بمعنى تبدلها بضدها، والعافية عافية البدن وعافية الدين، وضد العافية المرض، فالبدن يمرض والدين في القلب ولا يحمل الدين إلا قلب نقي طاهر، إن مرض القلب بخبث وفساد وشبهة كان التحول المتعوذ منه.

وفجأة نقمتك أي نزول البلاء فجأة من حيث لا أحتسب ولا أُعطى فرصة للتدارك، ومن رحمة الله أن لا عقوبات تنزل فجأة وإنما بعد إمهال وتنبيه وإنذار، والفجأة إنما تحدث بسبب الغفلة وتجاهل تنبيه الله ونذره. وجميع سخطك: أي التجئ إليك واحتمي بك يا رب من كل الأسباب التي تجلب لي سخطك.

 إن الموفق كل التوفيق من وفق لحسن العبادة ومن العبادة الدعاء، فمن وفق لحسن الدعاء كانت بشارة له، ومن كان حظه من الدعاء ذكر اللسان بينما قلبه سارح ومعرض فثمة مرض عليه معالجته.

كثيرا ما يحثنا الرحمن على الاتعاظ والاعتبار بالآخرين ممن نزل بهم البلاء لذنوبهم، يدعونا سبحانه للنظر في أحوال الأمم السابقة ولأحوال الأمم الحاضرة التي فاقتنا رغدا ومتعة، كيف تغيرت عندهم الحال وتحول رغد العيش والتمتع به إلى ما يشبه الحرمان منه مع وجوده ومشاهدته، تحولٌ لا يخطر ببال ومن حيث لا يحتسبون، أوربا الكافرة الغنية ودول مسلمة يعاقبون من حيث لا يحتسبون بطبيعتهم وبيئتهم التي يغبطهم عليها آخرون، نقرأ ونسمع عن تضخم الأسعار في الدول الأوربية مع توفر كل أسباب رغد العيش عندهم، بل ونقرأ عن تحذيرات حكوماتهم بشتاء قارس سيحرم فيه الكثير منهم من التدفئة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، حينما نشاهد دولا تغرق ويتشرد أهلها بسبب ما نفتقده وهو المطر، ندرك أهمية تلك الاستعاذة النبوية من زوال النعمة وتحول العافية وفجأة النقمة وأن كل ذلك إنما هو بسبب سخط الله، فنستعيذ بالله من كل ما يجلب لنا سخطه مما علمنا ومما جهلنا أو نسينا، "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ". ويقول سبحانه "إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا  كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ" فلنشكر الله باتباع رسوله وبحسن التعبد له وباستخدام نعمه في استجلاب رضاه، وما من سبب لجلب رضا الله وفضائله مثل التعوذ كما تعوذ رسول الله وبالاستغفار كما استغفر رسول الله "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا"

 استغفر الله العظيم التواب الرحيم لي ولكم

 

الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه وأشكره سبحانه على سابغ فضله وتوالي مننه وأصلي وأسلم على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله

فإن ما نعيشه من تغير في الأسعار نحو الغلاء وما نعايشه من قحط وجفاف إنما نقرأ رسالة الله لنا بوجوب الانتباه من صدود وغفلة نعيشها "أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"

لا زلنا بحمد الله نعيش رغدا ورخاء وخيرا كثيرا ولكن إن لم ننتبه لما نعمل فسينمو ما نكره، وانتبه رعاك الله لا تلقي باللائمة على أحد وتنسى نفسك، والله تعالى يقول "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ  لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ"

حينما ننظر في حالنا وحال الأمم من حولنا ومن قبلنا ندرك أهمية تلك الاستعاذة النبوية وندرك أن لا صلة بيننا وبين ربنا سوى حسن عبادته فنحتاط بها من سخطه ونجلب بها حفظه ورحمته، نتبع الرسول فنسأل مما سأل ونتعوذ مما تعوذ ونكثر الصلاة عليه كي يكون حاضرا في قلوبنا وتكون قلوبنا صحيحة متعافية باتباع سنته وبالأمل في الورود على حوضه نبادله ابتسامة الفرح باللقاء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل