خطبة الجمعة بعنوان فضل العلم وتعليمه 1444

 

الحمد لله العلي العظيم العزيز الحكيم رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، أشهد ان لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد ان محمد بن عبد الله عبده ورسوله وصفيه وخليله بعثه الله معلما وبشيرا ونذيرا وسراجا منيرا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وبعد فلنتق الله عباد الله فإن الله علينا رقيب عليم وهو سبحانه بنا رؤوف رحيم ولكنه ذو عقاب أليم جلّ جلاله.

عباد الله لقد قضى ربنا تبارك وتعالى بالتمايز بين الناس وعدم تساويهم، وجعل لهذا التمايز أسبابا ولاستمرار التمايز أسبابا كذلك، فمن أبرز أسباب التميز للبشر وأهمها هو العلم، وأسباب استمرار التميز بالعلم تعليم العلم وبذله ما أمكن لمن يرغبه وعدم التكبر بسببه. فبالعلم تكن كرامة الإنسان ورفعته كما قال سبحانه وتعالى "يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ"

فمن آمن بالله واليوم الآخر، ثم تعلم علما ينفع به الناس ويحسّن من خلاله صلتهم بخالقهم وصلتهم ببعضهم وييسر للناس معيشتهم ويقيهم مخاطر تعترض مسيرتهم، فهو يتعلم ويعلّم نفعا لنفسه وخدمة لغيره رجاء الله واليوم الآخر، كان حقا له أن يكتب الله له أجره وأن يعلي شأنه وأن ييسر أمره وأن يحفظه من كل كيد يراد به.

يقول صلى الله عليه وسلم: مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ فِيهِ عِلْماً سَلَكَ الله بِهِ طَرِيقاً مِنْ طُرُقِ الجَنَّةِ وَإِنَّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يَصْنَعُ وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السموات وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ المَاءِ وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظَ وَافِرٍ" الخمسة وصححه الألباني.

هذا الحديث رسالة توجه لكل أستاذ ولكل طالب بوجه خاص ولكل محب للعلم بوجه عام، حينما تخرج كل يوم متوجه إلى مدرستك أو كليتك أو مسجدا تستمع فيه درسا تذكر أنك مستهدف بهذا الحديث، اعلم أن الله تعالى في كل خروجك منك لطلب العلم سيوفقك لعمل من أعمال أهل الجنة وسيحبب ذاك العمل إلى قلبك، وفي طريقك ذاك فالله يأمر ملائكته بأن تكون حافظة لك في طريقك حامية لك من كل خطر يؤذيك ويتهددك، وأن ذنوبك مغفورة بسبب دعوات الخلائق لك، كل ذلك بسعيك للعلم تعلما وتعليما، هل تخيلت هذا كله؟ وإنما يكون لك ذاك إذا صلحت نيتك في التعليم والتعلم، تخرج من بيتك لمدرستك، لكليتك، لمسجدك لا يُخرجك إلا طلب العلم ولا يصرفك عنه ما لا ترضى أن يعلم اهلك عنه انه صارف لك، تتجه لمدرستك أو كليتك وأنت عازم على ان تستفيد أو تفيد مهارة طيبة علما أو خلقا او علاقة طيبة ونحو ذلك، المهم أن تعرف لماذا تتجه للمدرسة وألا تكون ذاهبا لمجرد أنها وظيفة أو لأن الناس يذهبون أو لأن أهلك يدفعونك لذلك، حدد ما تريد بذهابك وانو خيرا وثق تماما أن كل توفيق وتيسير ومغنم مفترض سيكون في حوزتك.

 هذه النية الطيبة يسمونها الآن شغف، فإذا كان لديك شغف بعملك وبدراستك فاطمأن فالله معك وكل وعد في ذاك الحديث هو حق لك، ويوما ما ستكون علما يشار إليه بالبنان إن لزمت الشغف بالعلم وستفضل غيرك بقدر شغفك أو لنقل بقدر نيتك وسعيك وصبرك، وستأخذ بحظ وافر من حظوظ الدنيا والآخرة، بغض النظر عن العلم الذي تتعلمه ما دام نافعا لك وللعباد ولم يكن مما لا يرضاه الله.

ولأن الإنسان على نفسه بصيرة فإنك حكم على نفسك وحكم على مدى استحقاقك لفضل الله ولوعد الله لك على هذا العلم، فإن حكمت بتقصير فعالج وإن حكمت بكمال منك فراجع.

وأذكّر بحديث ابن عباس رضي الله عنهما والذي يقول فيه: قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: هَلُمَّ فَلْنَسْأَلْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُمُ الْيَوْمَ كَثِيرٌ فَقَالَ: وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَتَرَى النَّاسَ يَفْتَقِرُونَ إِلَيْكَ وَفِي النَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ فِيهِمْ، قَالَ: فَتَرَكْتُ ذَاكَ وَأَقْبَلْتُ أَسْأَلُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ كَانَ يَبْلُغُنِي الْحَدِيثُ عَنِ الرَّجُلِ فَآتِي بَابَهُ وَهُوَ قَائِلٌ فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ يَسْفِي الرِّيحُ عَلَيَّ مِنَ التُّرَابِ فَيَخْرُجُ فَيَرَانِي» فَيَقُولُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ مَا جَاءَ بِكَ؟ هَلَّا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيَكَ؟ فَأَقُولُ: لَا، أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ قَالَ: فَأَسْأَلُهُ عَنِ الْحَدِيثِ، فَعَاشَ هَذَا الرَّجُلُ الْأَنْصَارِيُّ حَتَّى رَآنِي وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلِي يَسْأَلُونِي فَيَقُولُ: «هَذَا الْفَتَى كَانَ أَعْقَلَ مِنِّي».

أيا كان ما مضى وما فُرِط فيه فإن المجال متاح للتعويض ما دامت الروح في الجسد وما دامت القدرات العقلية سليمة في العموم، المهم اسع واعتن واحذر الكبر ولا تظن أنك غني عن علم يقدمه هذا أو ذاك، فابن عباس على عظيم قدره ينام في الظهيرة على عتبة الباب حتى لا يفوته ما طلبه من علم. نسأل الله الإعانة على كسب موعود الله والفوز بفضله

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد عباد الله

فاتقوا الله في العلم فإن العلم كنز ثمين، والله يعين من صدق في طلبه على كسبه وعلى التمتع به ويجعل سعيه سببا لتيسر أموره من حيث لا يحتسب، والعلم متاح للجميع مهما كان العمر ومهما كانت الظروف والأحوال، وفي هذا الزمان تنوعت وتيسرت مصادر التعلم وأصبحت متاحة للجميع في كل وقت وتحت أي ظرف.

ختاما لكل من تولى مهنة التعليم ولكل والد يُعلم ويربي ولكل معتن بنشر العلم وتعليم الناس، أحسن النية تكن أنت مِنةُ الله على عباده  "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ" وتكن أنت دعوة إبراهيم وإسماعيل المستجابة "رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ  إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" فطب نفسا وأحسن القصد واصبر تفز بما تحب وتأمل. ثم صلوا وسلموا على أصدق وأصبر وأحلم معلم محمد بن عبد الله فبذلك وصاكم الله وإلى ذلك دعاكم رسول الله والوعد ثبات على السنة ولقاء في الجنة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل