خطبة الجمعة حول بعض أحكام المعاهدين والمستأمنين

 

الحمد لله الملك العلام العزيز الحكيم، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد ان محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد فيقول الله تعالى

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا"

عباد الله لقد خلق الله تعالى الكون وما فيه وجعله مسخرا للإنسان وجعل الناس مسخر بعضهم لبعض كي تكتمل أسباب الحياة الإنسانية السليمة التي هي عبادة الله وحده لا شريك له، وكي يعيش الجميع في حدود الكرامة الإنسانية اللازمة، ولا حياة ولا تسخير للخدمة بدون تواصل وتآلف بين البشر، ولهذا كان من الفطرة الإنسانية الاستقبال بابتسامة وكان الاستبشار والارتياح مضمون عادة بمجرد ابتسامة عابرة.

 ولكن هذه الفطرة كغيرها من السلوكيات والقيم تتعرض للانحراف بأمور:

إذا داخل السلوك الكثير من الجهل،

وإذا اضطرب التفكير بشأنها نتيجة المؤثرات الفكرية الخارجية،

أو حدثت تجارب سيئة في هذا التواصل.

وكلما قويت الدول وتنوعت أسباب العمل فيها وتيسرت سبل الوصول إليها وفد إليها أقوام من غير جنس أهلها للعمل أو للسكن، وكثيرا ما يفد لبلاد المسلمين أقوام يخالفونهم لغة ودينا وثقافة يفدون إليها لأي حاجة من الحاجات الإنسانية ولمدة مؤقتة ثم يعودون لبلادهم بعد انتهاء حاجتهم، ويدخلون بموافقة الدولة وتحت حمايتها، وهؤلاء يقال لهم المستأمنون أو المعاهدون، ومنذ عهد النبوة ثم الخلافة الراشدة والتعامل مع هؤلاء يتم وفق تلك الفطرة الإنسانية بالرغم من كفرهم وعدم إسلامهم، ويكون التواصل والتعامل معهم من قبل المسلمين وفق أعلى معايير القيم الإنسانية وكأن ليس ثمة اختلافات فكرية أو اجتماعية،

ولقد ثبت في صحيح السنة حسن تعامله صلى الله عليه وسلم مع اليهود الذين بقوا في المدينة بالرغم من الحروب التي جرت والخيانات التي صدرت من أهلهم، وكان اليهود على الخبث المعروف بداهة عنهم لما سالموا، سالمهم المسلمون فكانوا يبيعون ويشترون ويختلطون بالمسلمين من غير تحفظ في العلاقة معهم، وكذلك نصارى نجران واليمن، والفرس المجوس الذين جلبوا للخدمة وللعمل في المدينة حتى كره عمر رضي الله عنه كثرتهم بل وكان قتله رضي الله عنه كان بيد عامل مجوسي، وكان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، والخدمة تستلزم مباشرة حاجات خاصة بالمخدوم ولما مرض هذا الغلام كان للنبي عليه الصلاة والسلام موقف مشهور معه، عَنِ أَنَسٍ أَنَّ غُلَامًا يَهُودِيًّا كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَرِضَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: «اذْهَبُوا بِنَا إِلَيْهِ نَعُودُهُ» فَأَتَوْهُ وَأَبُوهُ قَاعِدٌ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْفَعُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فَجَعَلَ الْغُلَامُ يَنْظُرُ إِلَى أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: انْظُرْ مَا يَقُولُ لَكَ أَبُو الْقَاسِمِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ» البخاري وغيره.

وعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» أحمد وابن ماجة والترمذي وابن حبان وصححه الألباني وغيره.

بل من المشهود به أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلا يهوديا مسنا أعمى يتسول في المدينة فقال والله ما أنصفناه أكلنا شيبته يعني بالجزية ثم خذلناه عند الكبر، فأمر له بما يسمى الآن راتب تقاعدي.

فالتعامل بالحسنى مع الجميع مطلب إنساني وهو منهج إسلامي بغض النظر عن المعتقد والسلوك الشخصي للطرف الآخر ما دام غير مؤذ وما دامت الدولة قد أذنت له بالإقامة والعمل في الوطن.

يقول عز وجل "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ"

وهكذا كانت الحسنى أداة تعامل المسلمين مع من سكن ديارهم حتى ولو كان مخالف لدينهم ما لم يكن جاسوسا أو مقاتلا، ولما بدء التلوث الفكري في هذه القيم يغزو بلاد المسلمين، ظهرت فكرة الإساءة لغير المسلمين لمجرد أنهم غير مسلمين، وظهرت الدعوة إلى معاملتهم معاملة المحاربين للدين بالرغم من مسالمتهم وبالرغم من العهود التي أعطيت لهم. وبعض المسلمين المخالفين لهذه القيم مع غير المسلمين كان دافعهم في الإساءة:

إما غيرة جاهلة على دينهم

أو دافعهم الطمع في الكسب غير المشروع، وهنا تقع مخالفة حكم الله تعالى في التعامل مع الآخرين،

فحكم لله تعالى يوجب الصدق والوفاء مع الجميع ويوجب الإحسان لكل من يحتاجه بغض النظر عن دينه ما دام في جوارك أو تحت كفالتك وما دمت تتعامل معه بأي شكل من أشكال التعامل التجاري أو الفكري أو المخالطة في طريق أو مجتمع ما، كما هي سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام.

ولقد تجرأ البعض على المساس بأموال هؤلاء المستأمنين الذين دخلوا البلد للعمل والكسب بحجة أنهم غير مسلمين، فيتعامل معه لجودة عمله ثم لا يوفيه حقه لضعفه ومسكنته.

وما دامت الإساء للمال مُجرّمة فبالتأكيد الإساءة للأنفس سواء بإهانتهم أو سفك دمهم جريمة أكبر وخطيئة يصعب على المخطئ إبراء ذمته منها، وما كان في حق غير المسلمين فهو في حق المسلمين أعظم والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ" أحمد وأبو داود وصححه الألباني وغيره.

 

الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه وأشكره سبحانه على سابغ فضله وإحسانه وأصلي وأسلم على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله

فاتقوا الله دوما وبالأخص فيما يتعلق بحقوق الآخرين أيا كانوا وأيا كانت الحقوق،

 واعلوا أنه يحرم إيذاء كل أحد إنسانا وغيره وأن حقوق الإنسان مهما كان دينه وسلوكه الشخصي حقوق محرمة يحرم التعرض لها بسوء مهما دقّ الحق أو عظم،

والله تعالى يقول "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"

ثم صلوا وسموا على نبي أحبكم وتمنى رؤيتكم ووعدكم حوضا عظيما يلقاكم عنده وتشربون منه شربة هنيئة فلا تظمأون بعدها أبدا


 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل