خطبة الجمعة 28/ محرم / 1444 بعنوان إماطة الأذى والحفاظ على النظافة العامة

الحمد لله وأشهد ان لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام النبيين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيقول تعالى "وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ"

عباد الله لما خلق الله تعالى الخلق تفضل عليهم برحمة وسعت كل شيء، وتفضل عليهم بكل ما يحقق لهم حياة كريمة جميلة ممتعة، فأرسل لهم من يعلمهم ويزكيهم، وشرع وبيّن لهم ما يكفل سلامتهم وصحتهم وسعادتهم، وبيّن ويسّر أسباب تحقيق أهدافهم وتحقيق الغاية من وجودهم.

ومن تلك التشريعات ما يتعلق بالصحة والسلامة. قال تعالى "وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ"

وأي خير بعد حقوق الله أعظم من حماية المسلم والرأفة به ودرء الشر عنه، بل إن هذه الرحمة بالآخرين هي من حقوق الله تعالى على العباد، وهي علامة على رحمة الإنسان بنفسه وان الرحمة خلق له وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ» متفق عليه.

الله جلّ في علاه يشكر رجلا لا يُعرف بكثرة عبادة وإنما لأنه اهتمّ بالآخرين وأزال أذى عن طريقهم!

وهنا يكون الحث على الاهتمام بالآخرين ورعاية سلامتهم قد بلغ غايته، فلا أعظم من أن يشكر المولى جلّ جلاله عبدا من عباده بسبب الاهتمام بالآخرين والعناية بمشاعرهم والحرص على وقايتهم مما يضرهم.

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنْ الْإِيمَانِ، وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنْ النِّفَاقِ" الحاكم والترمذي وصححه الألباني.

والمراد بالعيّ هنا أي العجز عن الكلام البذيء الذي يؤذي الآخرين ويكدر مشاعرهم أو يلحق الأذى بهم ذلك أنه عجز يُنبئ عن كريم خلق وحسن تربية ودليل تعظيم مراقبة الله جلّ جلاله، والمراد بالبيان هنا أي قوة الكلام فيما يؤذي الناس ويفسد عليهم حياتهم وأخلاقهم، ذلك لأنه بيان لا يُرضي الله فكان من صفات المنافقين. فكل ما يسيء للمسلم دقّ أو جلّ هو مسبب لسخط الله ومقته، بينما العناية بالمسلم ومراعاة مشاعره سبب لمرضاة الله وجالب لفضله.

وإن مما يجلب الأنس والسعادة للمسلم ويجلب الأجر العظيم لفاعله، هي النظافة العامة جعلها الله تعالى فطرة تصحب الناس في حياتهم ويأنسون بها، وجعل العناية بها غريزة وعبادة، وجعلها سببا مهما للحياة السعيدة الآمنة صحيا، بل وجعلها جزء من أجزاء الإيمان، وحرم كل عمل يضاد النظافة، واستقبح القبول بالوسخ والأذى، وعدّ ذلك من خوارم المروءة ونبه إلى أنه جالب للإثم، وذلك لما يسببه من أذى للناس في مختلف جوانب حياتهم، يقول عليه الصلاة والسلام: "اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةَ الطَّرِيقِ، وَالظِّلَّ»

أي اتقوا مسببات تذمر الناس وجالبة دعواتهم بالسوء. كم هو مؤذ عدم المبالاة بالنظافة للعامة!

وكم هو جالب للإثم ذلك التسبب في تشويه المشهد العام للمدينة وللمتنزه من خلال إلقاء النفايات في الساحات والحدائق أو البخل بكيس مخصص تجمع فيه القمامة وتربط وتوضع في الحاوية المناسبة، وأسوء من ذلك من يُلقي بنفاياته من نافذة سيارته في الطريق غير مبال بالمشاعر ولا بالمنظر من خلفه ومن بعده، غير مبال بنظرة الناس إليه وانطباعهم عنه، يوهم نفسه بأنه نظيف لا يتحمل وجود النفايات بقربه في الوقت الذي يُظهر للناس قبح طبعه وسوء سلوكه ومعيشته، وهذا العمل مما يصنع السخط لدى الآخرين ويجلب لفاعله دعواتهم بالضر عليه، وهذا ما نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم للوقاية منه، فدعوات المسلم خطيرة إن كان لها ما يبررها.

وتخيل وأنت في طريقك تمر بأذى ما، مسمارا أو زجاجا أو حجر لو وطئته سيارةٌ أو قدمُ لاهي لأحدث بها ضررا، أو مخلفة يسيرة علبة ماء ونحوها ملقاة فتضعها في حاوية النظافة، عمل يسير ينبئ عن رقي الطبع لديك وسمو خلقك ويقي الآخرين الضر ويجمّل له طرقاتهم ومن ثمّ يشكرك عليه ربك ويغفر لك.

ويا ترى ما هي مشاعرك وأنت تشعر بذلك الفضل الإلهي يتنزل عليك لعمل لم يضرك ولم يثقلك؟

ويا ترى كيف ستكون منزلتك في الآخرة وأنت تُشكر دوما من مولاك؟

 

الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه والشكر له جلّ جلاله على سابغ نعمه وتوالي مننه والصلاة والسلام على المبعوث معلما وإماما وهاديا وبشيرا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله

عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ" الحاكم والترمذي وصححه الألباني.

إن من أفضل العبادات مراعاة مشاعر الآخرين والعناية بسلامة نفسياتهم وعدم التسبب في تكدر خواطرهم، نعتني بجوانب النظافة العامة في الساحات والشوارع والحدائق والمتنزهات والبراري، وبالأخص المساجد وما حولها، نتقي دعواتهم الغاضبة التي تجلبها تصرفات سيئة تسيء للذوق العام، فتلك إساءة ودناءة خلق وهي علامة نفاق وضعف إيمان عياذا بالله.

وإن مما يزيد المرء رفعة رفعه لما تقع عليه عينه من مخلفات يسهل نقلها أو إماطته لأذى يؤذي الناس في طريقهم، وهذا ما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله وكان يُكرّم ويقدّر من يفعله.

ولئن كانت الإساءة سببا لسخط الناس ومن وراء سخطهم سخط الله جلّ في علاه فإن إدخال الفرح والسرور عليهم وصناعة الجمال في حياتهم وتحمل بعض الخطأ والقصور منهم، وإعانتهم على مهامهم ومشاركتهم الحِمل وإسماعهم جميل القول الذي يستمدون منه مزيد عزم للاستمرار والتحسين هو عبادة جالبة للرضا بين أفراد المجتمع وجالبة لرضا الله تعالى. جعلنا الله ممن يستمع القول فيتبع أحسنه فيفوز برضا ربه.

عباد الله مرض رسول الله مرضا أنهكه وأتعبه وشعر معه بدنو أجله فما كان له من أمنية في هذه الدنيا إلا أن يراكم يا من آمن به واتبع سنته ولم يره، فأكثروا من الصلاة والسلام عليه دوما وبالأخص يوم الجمعة، واعتنوا بسنته القولية والعملية فمن لزم سنته سلم في دينه وفي بدنه وفي دنياه وأخراه وضمن اللقاء به يوم اللقاء العظيم، وبالصلاة عليه أمركم الله ووعدكم بثناء منه ورضا إن استجبتم فصليتم عليه


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل