خطبة الجمعة 9 / 12 / 1443 (اليوم عرفة)

 الحمد لله رب العالمين الرحمن المنّان الكريم الرحيم، والشكر له جلّ جلاله ما تعاقب ليل ونهار على سابغ نعمه وآلائه المتتالية في الأرواح والأبدان والأوطان، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وإمام أنبيائه ورسله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيقول تعالى

 "فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"

وتتوالى عباد الله نعم الله حتى نعجز عن إحصائها مهما حاولنا عدّها، ومن النعم هذه المناسبة العظيمة التي جمع الله تعالى لنا فيها عظيمين:

 يوم الجمعة الذي تتسابق فيه الملائكة لأبواب الجوامع تكريما للمبكرين وهي جلوس الآن يستمعون للخطبة مع المصلين، وكذلك يوم عرفة اليوم الذي خصّه الله تعالى بفضائل عدّة للحجيج ولغيرهم من المتقربين،

فاليوم مناسبة عظيمة قلّ أن تتكرر فماذا أنت مقدم فيها لنفسك؟

اعلم رعاك الله أن أعظم العمل المقدم بعد أداء الفرائض في هذا اليوم العظيم هو في تجنب المحرم يقول عليه الصلاة والسلام عن يوم عرفة: إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ حَفِظَ فِيهِ بَصَرَهُ وَلِسَانَهُ غُفِرَ لَهُ} أحمد وابن خزيمة والطيالسي.

اليوم يومٌ عظيم يفوق غيره من أيام الدنيا، ومن أحسن استغلاله فاق سائر أقرانه بل وكثيرٍ ممن سبقه.

ولئن أخبرنا نبينا الحبيب عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى يباهي بأهل عرفة الملائكة، ويهب مسيئهم لمحسنهم ويعطي المحسن ما سأل، فإنه صلى الله عليه وسلم أخبرتا بأن الله تعالى يباهي بالجالسين في مجالس الذكر الملائكة، ويغفر لهم لصدقهم في الدعاء والذكر، ورضا بصنيعهم فإنه يهب الخطاء المّار بهم لهم فيغفر له كما غفر لهم ولو لم يذكر معهم، فكلاهما أي أهل عرفة وأهل مجلس الذِكر هم القوم لا يشقى بهم جليسهم وكلاهما يرون اليوم فرصتهم العظمى فكن معهم.

عباد الله وإذ تزامن يوم عرفة مع يوم جمعة وقلوب العباد فَرِحةٌ مُؤمّلةٌ وَجِلةٌ فجميع من تقرب هذا اليوم مقبول متقبل منه مباهى به مغفور له، والرحمات اليوم تتنزل بلا حساب والشيطان اليوم يغلي غيظا وحقدا مما يشاهد من الرحمات التي تمحو جهوده لسنوات مضت، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ: مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ" مالك.

فاليوم بإذن الله تعالى وبفضله وبرحمته لا شقي ولا محرومٌ إلا من استغنى وتولى فالله هو الغني.

اليوم يوم عظيم فيه خير الدعاء، وغداً يوم العيد يوم النحر يوم الحج الأكبر أعظم يوم عند الله تعالى، فيه قرباتٌ عظيمة أولها صلاة العيد، بلغ من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الصلاة أنه كان يأمر الجميع بالخروج إليها الرجال والنساء، الصغار والكبار حتى ذوات الأعذار الشرعية يحضرن ويبقين قرب المسجد بحيث يسمعن الخطبة ويشاركن المسلمين دعواتهم ويفزن بفضائل تنزل الملائكة وحضورها وإن لم يؤدين الصلاة، وهو تنبيه للقائمين على مصليات الأعياد بتأمين أماكن جلوس لهن نظيفة مرتبة، كما انه تأكيد على حضور الرجال وغير ذوات الأعذار لصلاة العيد والاستماع للخطبة والتأمين على الدعاء في خاتمتها وعدم الانصراف قبل انتهاء الخطيب من خطبته، وإن من الحرمان أن يحرم المسلم نفسه صلاة العيد وفضائل الاستماع للخطبة لأجل همّ الأضحية التي يفترض أن تكون عبادة ممتعة تطيب بها النفس، عبادة يستشعر بها المسلم عظم القربة بها ويعيش لحظات صدق الخليل وابنه عليهما والسلام ويستحضر فرج الله كلما ضاقت به الأحوال، فالأضحية هي ثاني قربة يتقرب بها إلى الله في أعظم يوم في السنة، نضحي ونستحضر أحبتنا بإشراكهم في هذه الأضحية، ولأن الأضحية قربة فواجب التلطف بها ورحمتها َعَنْ قُرَّةَ بْنِ إِيَاسِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَأَذْبَحُ الشَّاةَ فَأَرْحَمُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللهُ" أحمد وصححه الألباني. وبعون الله تعالى ستقام صلاة العيد في هذا الجامع في الساعة الخامسة وسبع وعشرين دقيقة. أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه وأكثروا من الاستغفار لكم ولأحبتكم

 

الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه والصلاة والسلام على النبي المجتبى والحبيب المصطفى محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله

في هذا اليوم العظيم المبارك أوصي نفسي وإياكم بالجلوس في المسجد بعد الصلوات ما أمكن ذلك خصوصا بعد صلاة العصر، فإن الملائكة حاضرة والعباد يعمرون المسجد والساعة ساعة استجابة فلعل دعوة منهم تنقذك أو دعوة منك تنفعهم وخير الناس أنفعهم للناس،

 كما أوصي بانتقاء الدعوات التي مدح الله الداعين بها وأن تكون الدعوات وهي خافتة بلفظ الجمع لعل الله ان يشمل الجميع بدعوتك،

فإن بقيت في المسجد فراوح بين التلاوة وبين التكبير والتهليل والتحميد وبين الدعاء،

نوّع كي لا تملّ نفسك ولا ينقطع الدعاء في المسجد.

عباد الله ومع صلاة الفجر هذا اليوم تقدم التكبير والتهليل والتحميد على أذكار الصلوات المفروضة ويستمر له الأولوية حتى نهاية أيام التشريق، فبعد السلام والاستغفار ثلاثا وقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام نبدأ نكبر ونهلل ونحمد، نكسب بهذا التكبير إعلان التوحيد ونشر السنة وكسب الأجر وتكثير غرس الأشجار لنا في جنات عدن، ونكسب ذكر الله لنا ومعيته لنا ومباهاته بنا وحفظه لنا.

في يوم عرفة نحفظ السمع والبصر ونكثر الدعاء والأذكار ونلزم مجالس الصالحين ما أمكن علّنا نغنم دعواتهم فمن استغل اليوم فاق القوم، وصلاة العيد نحرص عليها ونحضر أحبتنا معنا إليها فصلاة ودعاء في أعظم يوم ومع حضور الملائكة غنيمة لا تفوّت

 

اللهم ذا الجلال والإكرام في يومنا هذا وفي ساعتنا هذه آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، أوزعنا ربنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا وعلى والديّنا وأن نعمل صالح ترضاه وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين وأصلح لنا ذرياتنا إنّا تبنا إليك وإنّا من المسلمين، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، ربنا آتنا ما وعدتنا على رسولك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غِلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم، ربنا اجعل هذا البلد آمنا وارزقنا وسائر أهله من الثمرات واجعلنا وإيّاهم من الشاكرين، واغفر لنا ولوالدينا وإخواننا وأزواجنا وسائر أحبتنا والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات. اللهم وأعزّ دينك وانصر عبادك ووفق إمامنا وولي أمرنا خادم الحرمين وولي عهده واجعلهما من الصالحين وأصلح بهما شأن العباد والبلاد

اللهم اجتمعنا في هذه الساعة المباركة من هذا اليوم العظيم نرجو رحمتك ونخشى عذابك فنسألك ربنا أن تحلل رضاك علينا وأن تهب مسيئنا لمحسننا وأن تسبغ فضلك علينا وأن تثبتنا على سنة نبيك الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وأن نلحق به عند حوضه وفي سيره نحو الجنة وأن نجتمع ووالدينا وأحبتنا مع النبيين والصديقين والشهداء في مقعد صدق عندك يا ذا الجلال والإكرام وصل اللهم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل