خطبة الجمعة 16 / 12 /1443 بعد الموسم العظيم نصطحب الشعار العظيم شعار التوحيد والصلة بالله تعالى
فاتقوا الله وراقبوه واسعوا لما يُقربكم إليه، واعلموا
أن الله جلّ جلاله قريب ويحب قربكم، وشكور حليم يحب أن يذكركم، وكريم سبحانه يريد أن
يطهركم ويتوب عليكم فترضوا وتسعدوا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا
عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي
نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي
مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُ، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ
ذِرَاعًا، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ
أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً}مسلم
وذلك كناية عن سرعة القبول منه جلّ جلاله للعمل، وسرعة
الذكر منه سبحانه لمن ذكر، فاستبشروا بما قدمتم وتقدمون وارعوه وادعموه بمثله
لينمو ويبقى أثره لكم ومعكم، واجعلوا عملكم وإيمانكم بقبول عملكم اجعلوه دافعا لكم
لمزيد قرب من ربكم ومزيد ذكر له سبحانه وعونا لكم للبحث عن الرضا.
عباد الله لقد خُلِق الإنسان في تركيبة عجيبة فهو ضعيف
وهو عَجِلٌ وهو هلوعٌ جزوعٌ، مخلوقٌ في كبدٍ وتعبٍ ونصبٍ، ومع ذلك
فقد يرى أناسا من حوله يمرضون وآخرون يرحلون فيظن نفسه
استثناء لن يمر به ما مرّ بغيره،
قد ينسى ما هو فيه من نعيم همّا وانشغالا بما لم يأته
أو خوفا أن يفوته ما لم يكتب له،
قد يتطلع للمستقبل بوجلٍ وقلقٍ حارماً نفسه من نعيم
حاضرٍ،
هو محروم لأن قلبه وجِل وفكره مضطرب ونفسه قلقة،
لجهله لا يستشعر حقيقة قرب ربه منه ولا يدرك سعة رحمة
ربه، يعرض عن ربه ثم يندب حظه ويعلّق إخفاقه على عدم وجود من يساعده أو يتوسط له،
والله يعذره لجهله ولكن المسلم عندما يشابه غيره فينسى ربه يوقع نفسه في خطأ جسيم ويفوّت
على نفسه سبيلا عظيما وطريقا ممهدا لتحقيق هدفه وللحصول على مطلبه ألا وهو
الارتباط بالله تعالى،
إن الله تعالى
لا يقبل شريكا في قلب عبده أيا كان الشريك ومهما دق أو جلّ المطلب، والارتباط
بالله تعالى هو حقيقة التوحيد وهو السبيل الوحيد للفوز الأكيد، والارتباط بالله
تعالى لا يكون بمثل يقين القلب بقربه سبحانه وبعلمه وبقدرته وبسعة رحمته وفضله وكرمه
وبمثل تعطير اللسان بذكره "الَّذِينَ
آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ
تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" ومن اطمئن انطلق واثقا متمكنا.
ولأن الله جلّ في علاه يعلم ما يعترض حياة الإنسان من
متغيرات وما يمرّ به من ضعف وغفلة ونسيان، فإنه سبحانه وتعالى رحمة بعباده يجعل لهم
في حياتهم الدنيا محطات تذيقهم طعما للحياة مختلفا عما عاشوه إن عقلوا فأدركوا تلك
المحطات واستفادوا منها، البعض يمر سريعا في الطريق غير مكترث بتلك المحطات يوهم
نفسه بأنه على عجلة من أمره فيزيد نفسه ومن معه تعبا ورهقا ومللا، أما العاقل فلا
يفوّت مصلحة تعينه على الوصول لهدفه،
مرت بنا محطة عظيمة تزود منها من أدرك قيمتها وأهميتها
وثروتها فغيّر في تفكيره ونظامه وراجع نفسه فتزود منها بما أمكنه وما رآه نافعا
له، عشر ذي الحجة كانت موسما للذكر،
موسما عاش فيه المؤمنون أياما تختلف عن بقية أيام
السنة، فيه تعودت أنفسهم على الصلة بربهم وعلى القرب منه جلّ جلاله بأبسط الأسباب
وأجملها ألا وهو ذكر الله تعالى، تهليلا وتكبيرا وتحميدا وتسبيحا وحوقلة وتلاوة للكتاب
العزيز، وهذه هي شعارات التوحيد، كم كان الذِكر سهلا وكم كانت الروح تنتعش معه
وبه، وكم كانت تُلقي بالكثير من همومها بعيدا بسببه.
يحقق التوحيد ويضمن التوفيق ذلك الذي يذكر الله
مستشعرا حقيقة هذا الذِكر ومدركا مدى القرب بينه وبين خالقه،
يحقق التوحيد ويضمن التوفيق ذلك الذي يؤمن بأن الله
يبادله ذِكرا وثناء،
يحقق التوحيد
ويضمن التوفيق من الذي يدعو ربه موقنا بأن ربه قد سمعه،
يحقق التوحيد ويضمن التوفيق من يستنجد ويستجير ويسأل بمثل
الحال واليقين الذي كان عليه أمير المؤمنين الفاروق رضي الله عنه عَنْ حَفْصَةَ
ابْنَةِ عُمَرَ قَالَتْ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ قَتْلًا فِي
سَبِيلِكَ، وَوَفَاةً فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ» قُلْتُ: وَأَنَّى يَكُونُ هَذَا؟
قَالَ: «يَأْتِي بِهِ اللَّهُ إِذَا شَاءَ» ومرادها رضي الله عنها أن الشهادة لا
تكون في مناطق الأمن والاستقرار بل في الثغور ومواجهة الأعداء وأما هو فطلب ما علم
قدرة الله عليه ووثق في الإجابة فكانت العاقبة ما تعلمونها وهي شهادته في مسجد
رسول الله، وهكذا المؤمنون في صلتهم وثقتهم بربهم لا يستكثرون على ربهم شيء ولا
يعتدون في طلبهم بأي شيء ويبذلون الأسباب المناسبة لتحقيق أملهم ودعوتهم.
أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا مبارك فيه كما يحبه
ربنا ويرضاه والشكر له سبحانه على سابغ فضله وتوالي مننه وعطائه والصلاة والسلام
على المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين سيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله
وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله
وإذ انتهى موسم الحج فإن أبواب الرحمن مفتحة لا تغلق فخذ
عبد الله رحمات الله ومغفرته وفضائله بواسطة الذكر والدعاء الذي عشته في هذا
الموسم وتزود بما تحب وما تراه نافعا لك في دنياك وأخراك.
اجعل لسانك رطبا بذكر الله وقلبك حيا بذكر الله.
هذه الأذكار من تهليل وتكبير وتحميد وتسبيح وحوقلة
واسترجاع وتلاوة للكتاب، هي جملة أسباب لا تكلفك شيئا وهي تفتح لك أبواب كل شيء،
يحب الله منك أن تذكره بكلامه وأن تدعوه بما نبّهك
لأهميته في كتابه وعلى لسان نبيه الحبيب عليه الصلاة والسلام من أدعية دعا بها
النبيون والصالحون،
هلل وسبّح كل صباح ومساء وسل الله من فضله خيرا ووقاية
من كل شر،
أكثر من الحوقلة والاستغفار والتكبير،
احمد الله على كل أكلة وشربة وعلى كل حدث يمر بك،
اشكر الله على كل نعمة وأهمها نعمة الهداية ونعمة
الاستمرار في الحياة مع الثبات على الطاعة،
سبح مائة مرة مع صلاة الفجر ومع صلاة العصر لتطوى صفحة
يومك نظيفة نقية من كل شائبة،
لا يضيع عليك يوم بدون تلاوة لما تيسر لك من كتاب ربك،
ممارسات سهلة يسيرة مع العناية بالفرائض والواجبات تضفي
لحياتك بهجة وراحة وطمأنينة، وتفتح لك أسباب حياة كريمة ما كانت لتخطر لك على بال.
ولا تنس أن في صلاتك على نبيك الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم فرجا وفرحا وصلة
بنبيك وصلة بربك، وهي ذكر متبادل بينك وبين نبيك وبينك وبين ربك جلّ جلاله
تعليقات
إرسال تعليق