الاستعداد للمسابقة والمسارعة في عشر ذي الحجة 25 / 11 / 1443

 الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب واسع الفضل رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، أشهد ان لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وخيرته من خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله 

فاتقوا الله فبذلك وصاكم الله فقال سبحانه "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ

فاتق الله عبد الله وبادر الآن لما يسرك غدا، فقد لا تتمكن غدا مما تحتاجه مما هو متاح الآن. ولقد أكثر جلّ وعلا لنا من الدعوة للتفكر في سننه الكونية ومنها تعاقب الناس على هذه الأرض أجيالا وأفرادا يقول سبحانه وتعالى "أَفَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ" ويقول سبحانه  "وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هَلۡ تُحِسُّ مِنۡهُم مِّنۡ أَحَدٍ أَوۡ تَسۡمَعُ لَهُمۡ رِكۡزَۢا" ويقول جلّ وعلا "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" وآيات عدة تدعو للتفكر فيمن رحل وتؤكد بأننا راحلون أيضا.

 نتفكر في أعمارنا التي مضت، نتفكر في عامنا الماضي، نتفكر كم مرة زرنا المقبرة مودعين حبيبا ونتفكر في قول الله تعالى "وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ" وقوله تعالى "سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ" ونتفكر في قوله e: بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوِ الدُّخَانَ أَوِ الدَّجَّالَ أَوِ الدَّابَّةَ أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ" مسلم. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، يَقُولُ: «إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ» البخاري

من فضل الله على عبده أن يهديه للتفكر فلا يكون ممن عميت قلوبهم، من فضل الله على عبده أن يهديه للمسابقة في الميدان الممهد له وأن يهيئ له الأسباب كي يسابق في المسارات السريعة التي يعوّض بها مسيرا تأخر فيه، فالفضل مدٌ في الأعمار وهداية وتهيئة أسباب، والأسباب يتخذها العبد من علم وفهم وعزيمة وتنفيذ، وكلها فضل منه سبحانه. 

ومن الأسباب التي سخرها الله تعالى لنا كي نسبق ونسرع فنتدارك ما فات ونعوّض ما خسرنا ونلحق من سبقنا، هو هذا الموسم العظيم الذي قارب النزول بنا، موسم عشر ذي الحجة، موسم متجدد كل عام ولكن قد لا يتجدد لك، فسابق نفسك ولا تنشغل بغيرك اللهم إلا أن تتأسى بمسابق، لا تكن ممن عميت قلوبهم فتذكر العام الماضي 

ماذا عملت من الصالحات في تلك العشر المباركة؟ 

وما كان يمكنك عمله ولم تعمله؟ وتذكر كم مرة زرت المقبرة؟ 

وتذكر كم من صاحب مات فجأة؟ 

لو راجعت صفحة الإحصاءات وفتشت عن عدد الوفيات كل عام لوجدت رقما مفزعا، وقد أكون أنا أو أنت ضمن هذه الأرقام، فلنتفكر في فضل الله الذي آتانا ومنه هذا الموسم العظيم وهذه الهداية للمسابقة فيه، ولنسارع باغتنام ما سنح من فرص، ولنستعد بالعزيمة ولا نكون ممن ينتظر حلول الموسم ثم يبدأ في عمل ما اعتاده كل عام، فمثل هذا يفوته الكثير كما أنه عرضة للظروف التي تنزل به، وهذا ما حذّر منه رسول الله e في الحديث السابق، بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: ومنها أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ" مسلم. فخاصة أحدنا شغله الخاص به أو مرضه أو موته أو أي عرض يتعرض له شخصيا. 

من الآن هل ستستلم لنمط المعيشة المعتاد في كل إجازة؟ ماذا ستفعل في أحب الساعات إلى الله تعالى؟ ففي الحديث الصحيح قوله e: "مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ" فكّر من الآن فيما ستعمل، واعزم على تسخير الوقت وتغيير نمط المعيشة تلك الأيام الفاضلة لتحقيق مصلحتك، فالعمر قصير، والوقت سريع المرور، وأنت أعلم بنفسك وبظروفك وبما يناسبك من عمل، ولكن احذر قول الله المستعان وش أسوي؟ أنعزل عن الناس؟ أعيش لحالي؟ تبينا نصير ملائكة؟

لا تصنع لنفسك عقبات ولا تحبط نفسك لأنك تستطيع أن تعمل ما يناسبك وتستطيع أن تقول لمن حولك بأنك حريص على نفسك وتستطيع أن تجعل منهم عونا لك على الفوز في السباق ولو شجعتهم وسألت الله الهداية لهم فستجد منهم منافسون لك في العمل. 


الحمد لله الولي الحميد العلي المعين رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبشيرا للمؤمنين وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وبعد عباد الله 

فموسم عشر ذي الحجة موسم يحبه الله فلنُكسِب أنفسنا حب الله ولنتذكر أن رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» مسلم. وفي الحديث الآخر "إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ" البخاري.

تقرب إلى الله تكن وليا لله وتفز بحب الله وتكن مجاب الدعوة محفوظا من كل أذى 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل