خطبة الجمعة 18 / 11 / 1443 شدة حر الصيف رسالة تذكير
الحمد لله العلي العظيم، الملك البر الرحيم، واسع المغفرة واسع الفضل، رحمته وسعت كل شيء وهو أرحم الراحمين، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد عباد الله فاتقوا الله،
واعلموا أن التقوى الحقة هي التي تجعل الله بين ناظري عبده في صغير الأمر وكبيره، وهي التي تجعل الله حاضرا في قلب كل مؤمن مع كل تغير في الحياة حلواً كان أم مرّاّ. يقول ربنا تبارك وتعالى "إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ"
للشيطان حضور في كل حال ما أمكنه ذلك، كي يصد المؤمن عن الواجب عليه في حاله تلك سواء أكانت نعمة أم ضدها، وكأن الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء لا يكفيان في إحداث الصد والغفلة عن الواجب حتى يأتي من نحسبهم إخوانا فيشاركونهما الجهد ليزداد الصد وتعظم الغفلة.
وإن مما لا يفوّته الشيطان هو الحضور مع تغيّر المناخ ليَنسى المؤمنُ ربه ويستجيب لعدوه بما يسخط الله ويغضبه من تذمر وتسخط ونكران لفضل الله ونعمائه. هذه الفترة من العام ابتلينا فيها بأمور قحطٍ عام وغورٍ للمياه وحرٍ شديد، وبرامج تواصل تنقل لنا جمال طبيعة بلاد أخرى وهبها الله بعض ما نفتقده، فأحدنا يقلب هاتفه بين تلك الدول مترحلا في أصقاع الأرض تهب عليه نسائم جهاز التكييف وبين يديه مشروب حارٌّ لا يستغني عنه متكئ على أريكة فاخرة وثيرة لا تقطر منه قطرة عرق واحدة، ثم يلعن جوّه ويسب حاله وبلده أن حُرِم تلك الأجواء الجميلة،
لفظة ومشاعر قد يراها هيّنة ولكنها عند الله عظيمة، إذ هي اعتراض على أقدرا الله وهي انتقاص لاختيار الله وهي كفران بنعم الله وجحود لها،
حذّر جلّ وعلا عباده من إيذائه سبحانه بأي شكل من الأشكال فقال جلّ جلاله "إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا" وقال e: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: "يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَقُولُ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا " مسلم.
ويا ترى هل يتمكن أحد من إيذاء الله عز وجلّ؟
أو هل الله جلّ جلاله يتأذى ويتضرر أو ينزعج من تصرفات بني آدم السيئة؟
يقول سبحانه وتعالى "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ"
وفي الحديث القدسي عَنِ النَّبِيِّ e فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: « يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» مسلم.
إذن فالمقصود بأذية الله تعالى أي تعملون عملا يوجب الأذى لكم. هذه الأجواء بكل أنواعها هي رسالة تذكير لك من ربك، هي اختبار لك من ربك، هي باب صراع بين قلبك وبين الشيطان. لفحتك لفحة من السموم فما هي ردة فعلك؟
هل تذكرت نَفَسي جهنم فتعوذت بالله منها؟
شاهدت مشاهد طبيعية خلابة فهل تذكرت الجنة وتخيلتها وسألت الله نعيمها؟ أم هل تذكرت جمال طبيعة مرّ بك هنا؟
دوما للشيطان حضور ومسّ للمؤمنين في كل أحوالهم، فاحذر أن يغلبك فتنسى ربك وتقطع الصلة به وتضيّع قلبك. تذكر قول ربك جلّ وعلا "لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ"
لا تغرنك مشاهد الرحلات في برامج التواصل فعامة من ينشرون يومياتهم في رحلاتهم هم مستأجرون من قبل شركات سياحة تنتقي ما ينشر فلا ترى إلا جميلا، واعلم أنه إن قست عليك أجوائك اليوم فإن أولئك المنعمون الآن هم في شدة وقسوة أكثر العام، وهم الآن في نعيمهم محرومون منه لا يتمتعون به، ثم إنهم وهم في طبيعتهم الجميلة الخلاّبة يترقبون حضورك ويغيرون أنظمتهم تشجيعا لك أيها المتوهم للحرمان لتحضر عندهم فينالوا شيئا يسيرا مما أنعم الله به عليك وأنت نسيته أو جحدته.
سافر وتمتع
بنعم الله ولكن احذر كفران نعمة الله، واحذر أن تعمل أو تقول ما يجلب لك سخط الله
فتنزل بنفسك الأذى، واعلم ان من عاجل ثواب الله أو سخطه هو ما يصدر منك تجاه ما
ينزل بك، فإن قلت خيرا فاحمد الله على هدايته وتوفيقه وانتظر خيرا، والعكس بالعكس.
فاحمد الله واشكره في كل حال واساله نعيمه وتعوذ من عذابه مع كل تغير في جو. أقول
ما تسمعون
فما أجمل التأمل في قول الله تعالى "إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ"
من أسباب منّ الله بالجنة ونعيمها كثرة الدعاء، فادعوا لأنفسكم ولوالديكم ولأزواجكم وذرياتكم بالفردوس العلى علّكم تجتمعون فيه، ادعوا بكل خير سلوا الله كل فضل ونعيم، تعوذوا بالله من أسباب سخطه تعوذوا بالله من عذابه فالله كريم حيي لا يرد سائلا، ولا تغرّنكم الحياة الدنيا بصور تُحسّن وتُجمّل وتُخفى حقيقتها لا تغرنكم برامج التواصل ولا يغرنكم الشيطان فتنسوا نعمة الله وتجلبوا لأنفسكم سخط الله بكلمات لا يُلقى لها بالا.
وأكثروا عباد الله من الصلاة والسلام على حبيبكم محمد بن عبد الله الذي أحبكم وتمنى رؤيتكم ووعدكم الحوض العظيم ملتقى بكم ولتشربوا شربة لا تظمئوا بعدها أبدا. اللهم صل وسلم وزد وبارك على
تعليقات
إرسال تعليق