خطبة الجمعة 11 / 11 / 1443 ( الرزق بين التقوى والعقل )

 الحمد لله الغني الكريم، واسع الفضل والعطاء مالك الملك ومدبر الأمر الولي الحميد، أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وصفيه من خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله 

فاتقوا الله، واعتنوا بما بيّن سبحانه من أسباب رحمته ومغفرته ومرضاته، وأهم تلك الأسباب التقوى، تقوى الله في السر والعلن "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ

عباد الله خلق الله تعالى خلقه وهو الحكيم العليم فعلم حالهم وما يصلح شأنهم فهيئ لهم الأسباب وهداهم لأحسنها لهم، وأعانهم على ما فيه الخير لهم، وجعل الاختيار والقرار إليهم. 

وإن مما لا تقوم الحياة الدنيا والآخرة إلا به هو المال الذي يجعل الحياة مهيأة للعبادة وللحياة السعيدة الهانئة، فيّسر سبحانه سبل الرزق لعباده ونوّعها وجعل كل منهم مُيسر لما هيّء له، فمن طغى في السعي أو قصّر أضرّ بنفسه وبدينه وبدنياه وخسر أكثر وأهمّ مما ربح، ومن سعى معتدلا كسب رزقه وحافظ على نفسه وعلى دينه وتمتع بدنياه، وبهذا أقام سبحانه الحجة على خلقه بما يسره لهم وعليه دلّهم، حتى أصبح كل لنفسه خصيما إن طغى أو قصّر، وشاهدا عدلا إن سعى واعتنى بنفسه وبدينه. 

بيّن تعالى في كتابه العزيز وفي سنة نبيه الحبيب عليه الصلاة والسلام أسباب الرزق الحلال وأثره في حياة كاسبه وبيّن كذلك الضدّ وحذّر منه، كما بيّن سبحانه وتعالى اختصاصه وحده جلّ جلاله في وصول الرزق لأهله، ويُدرك الجميع أن ما وصل بسبب لا يرضاه الله فانه منزوع البركة ومفسد لشؤونٍ حياتية أهم منه. 

وعد الله عباده الرزق إن التزموا أمره وتوجيهه وتوعدهم الخيبة إن خالفوا ما أمرهم قال تعالى "هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ" وقال تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ" فالرزق مبثوث في الأرض والسعي سبب لتحصيله، وكل ما في الأرض في الأصل حلال، ولكن للشيطان حيل وخطوات يزيّنها للنفوس البشرية، ما أن تتقبلها أحد ما ويخطوها معها حتى يسوقه لمخالفة أمر ربه ومن ثم خسارة دنياه وأخراه. 

وإن من أهم خطوات الرزق والتي يصرف الشيطان الناس عنها هي التقوى، تقوى الله في النفس فتصدق في السعي متوكلة على الله لا تفرط ولا تهمل ولا تتكل، ثم تقوى الله في الآخرين الذين يُتعامل معهم صدقا لهم وعناية بهم، وأكبر خطوات الشيطان هي في الصد عن هذه التقوى، التقوى مع الآخرين، فيجعل أتباعه لا يجدون رزقا إلا على أكتاف الضعفاء، 

وكمثال من قائمة طويلة، خداع من أرهقتهم الحياة ومتطلباتها وقلّت مصادر الدخل لديهم كعامة الموظفين، فيأتي الشيطان وسالكو خطواته مخادعين بدعوى العبودية للوظيفة وبدعوى سعة الرزق في الأعمال الحرة وكيف أنهم كسبوا الملايين حين ابتعدوا عنها، بينما الحقيقة أن بدايتهم كانت في الوظيفة التي ضيّعوا حقوقها، ومكاسبهم الخيالية الحالية هي في جرّ هؤلاء الضعفاء لمصادر دخلهم هم ولزيادة مكاسبهم من خلال ما يقدمونه من دورات مضللة ومن خلال جلبهم للدائنين، وما أن يستحسن الموظف ما سمع منهم ويسلم رقبته لهم بعد أن أسلم لهم عقله، حتى يتخلوا عنه لمن يلاحقه بحقوق غلّ نفسه بها، فهو لم يكن سوى مصدر رزق تيسر لهم وألقوه في جبّ القروض تمزقه ظروف كان يتعايش معها لولا الوعود المعسولة منهم ولولا فكر عطّله وعقل سلّمه طواعية لهم. 

ومن الأمثلة على المتاجرة بسلب العقول الدعوى للمقاطعة لبعض الشركات الوطنية بدعوى رفعها لأسعار منتجاتها والتعامل مع تلك الشركة التي حافظت على السعر، وجميل السعي للتحكم في الأسعار ولكن لا تعطل فكرك، 

فمن الذي دعا للمقاطعة؟ 

وما الجهة البديلة؟ 

وما مستوى الجودة؟ 

وما مقدار الكمية لدى الطرفين؟ 

لك الحرية في الشراء لما تشاء وممن تشاء، ولكن ليس لك حرية التصرف في عقلك فتُعطّله أو تُسلمه لغيرك إذ هو أمانة لديك ومحاسب أنت عليه، استخدم عقلك فاستخدامه مجاني وعائده ربح لا يحصى، كما أنه ليس لك الحرية في مهاجمة من لم يقتنع برأيك ولم يوافقك في مقاطعة هذه الشركة أو تلك، ويا ترى لو خسرت تلك الشركة وتعطلت فهل غيرها سيبرك ويخدمك بدون مقابل أو سيتفرد بالسوق ويستقوي عليك، في مجال الألبان كانت الأسواق مليئة بالشركات الصغيرة المنافسة وذات جودة عالية وحدثت حرب أسعار وانساق الناس خلف العروض الأرخص فخسرت تلك الصغيرات وخرجت من السوق وسيطرت وتحكمت الشركات الكبرى، وعبر التاريخ فإن التجار إلا من رحم الله وقليل ما هم لا يرقبون في مستهلك إلّا ولا ذمّة ما لم تضبطهم أجهزة الدولة. وتأمل من دعا للمقاطعة لو كان ناصحا لك لوجّه لتعديل السلوك الغذائي ولتعديل نمط المعيشة، ولكنها حرب تجار والمستهلك هو الضحية، ويقال بأن الطُعم المجاني لا يوجد إلا في المصيدة، ولا نهاية للوعود المعسولة إلا الهاوية فاتقوا الله في أنفسكم وفيمن حولكم ويتعامل معكم فتقوى الله جالبة للرزق عامرة للحياة بالبركة، وأكثروا الاستغفار تفتح لكم أبواب الخيرات.

 

الحمد لله ذي المنّة والفضل مدبر الأمر بالأسباب ومن حيث لا يحتسب الناس والصلاة والسلام على من بعثه الله للناس يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين 

وبعد عباد الله فالتقوى جالبة الرزق تكون مع النفس أولا لا تهلكها ولا تضيّع فرصها القائمة تبعا للأوهام، اتق الله في عقلك ففكر في كل ما يصل إليك ولا يغرّنك معسول الكلام، واتق الله مع الآخرين لا تغرّهم ولا تبني ثروتك ولا مُتعتك على سلب أو إضاعة حقوقهم، إن منّ الله عليك بوظيفة فأعطها حقها تنل بركتها وإن ضمنت غيرها أحسن منها فغيّرها وإلا فاحفظ نعمة الله عليك، 

وإن كنت تاجرا فاصدق الناس يصدقك الله الوعد، وإن كنت صاحب كلمة فأنت مؤتمن على من يسمع لك فإما قل خيرا ورد شرا وإلا فقد ضيعت أمانتك. 

عباد الله في الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: أيُّها النَّاسُ اتَّقُوا الله وأجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فإِنَّ نَفْساً لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَها وإن أبطأ عنها فاتقوا الله وأجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ ودعوا ما حرم" أحمد وابن ماجة وصححه الألباني

 وبوعد الله فالرزق يستجلب بالتقوى وبالتوبة وبالاستغفار، وللصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر في صلاح الحال وراحة النفس وزوال أكدارها، فأكثروا من الاستغفار ومن الصلاة على رسول الله تتفتح لكم أسباب الحياة في الدنيا وفي الآخرة. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل