عظمة يوم الجمعة وعظمة خطبته وصلاته

 الحمدلله رب العالمين مالك يوم الدين، رب السموات ورب الأرضين الملك البر الرحيم، أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله سيد الأولين والآخرين وإمام الأنبياء والمتقين المبعوث رحمة للخلق أجمعين وبشرى للعباد الطائعين المتبعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن أطاعه واتبعه واهتدى بهداه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله 

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله والتزود ليومٍ طلب الخليل عليه السلام لأجله طلبا من ربه فقال "وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ" سليم من الشك ومن الشرك، سليم من حب ما يسخطه الله ويكرهه، سليم يحب ما أحبه الله ورضيه من القول والعمل، قلبٌ سلم في الدنيا فسلم صاحبه وفاز في الآخرة. 

عباد الله يقول عليه الصلاة والسلام {إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ثُمَّ عَمِلَتْ النَّصَارَى عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ثُمَّ أَنْتُمْ الَّذِينَ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغَارِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَغَضِبَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً قَالَ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا قَالُوا لَا فَقَالَ فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ} البخاري

وإن من هذا الفضل الإلهي حيث مضاعفة الأجر على قليل العمل، هو هذا المجلس وهذه العبادة التي نعيشها الآن صلاة الجمعة، بل يوم الجمعة كاملا، فيوم الجمعة يوم له خصوصيته العظيمة عند الله تعالى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ e قَالَ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ» مسلم

يوم الجمعة يومٌ عظيم تفضل به الله على هذه الأمة، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: أَضَلَّ اللَّهُ عَنْ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالْأَحَدَ وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ} مسلم. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فسلوا الله من فضله. 

يوم الجمعة يوم كما هو مُعظّم في الدنيا هو مُعظّم في الآخرة كذلك عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدْ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ وَاللَّهِ لَقَدْ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا فَيَقُولُونَ وَأَنْتُمْ وَاللَّهِ لَقَدْ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا} مسلم

 من عظِم يوم الجمعة أن كانت فيه صلاة الجمعة، الصلاة العظيمة التي خصها الله تعالى بقوله سبحانه "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ

صلاة الجمعة صلاة عظيمة يٌعظم الله تعالى من شأن من يعتني بها ويتأهب لها ويقدمها على غيرها، فهو سبحانه وتعالى يأمر ملائكته الكرام بالوقوف على أبواب المسجد قبل صلاة الجمعة لإكرام المبكرين المستعدين لها قال عليه الصلاة والسلام: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ الْمَلَائِكَةُ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طَوَوْا الصُّحُفَ وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ} متفق عليه ويقول عليه الصلاة والسلام {مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ} متفق عليه

وتأمل قول رسول الله e عن صلاة الجمعة: مَنْ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} مسلم

وعنه e أنه قال: مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا. أبو داود وصححه الألباني. 

فهنيئا لمن فاز بالعطاء الإلهي هذا اليوم وأحرّ التعازي لمن خسره.

 التأخر حتى دخول الخطيب سبب لخسارة فضل عظيم، والتشاغل عن الخطبة سبب آخر لضياع فضل آخر يقول e إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ} البخاري. والتساهل في صلاة الجمعة خطر عظيم يَقُولُ عليه الصلاة والسلام: لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ} مسلم وعنه e أنه قَالَ: مَنْ تَرَكَ ثَلاَثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ} أبو داود وأحمد وصححه الألباني.

 يوم الجمعة يوم عظيم، وصلاة الجمعة صلاة عظيمة، وخطبة الجمعة حدث عظيم، يجب على الجميع خطيبا ومأمومين وقائمين على المسجد تعظيم ما كلفوا به في هذه العبادة العظيمة، كي يُعظم الله لهم القدر والأجر والمنزلة. وفي يوم الجمعة يحسن مع التبكير والتلاوة والتنفل كثرة الاستغفار في كل لحظة وهذه اللحظة فاستغفر الله لي ولكم فاستغفروه

الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه والشكر له سبحانه على سابغ فضله وإحسانه والصلاة والسلام على نبي الرحمة وإمام الهدى محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فلأهمية صلاة الجمعة جعلت لها آدابا منها: 

التبكير واختيار المكان القريب من الخطيب والتنفل بالصلاة قبل دخول الخطيب، والاغتسال ولبس الثياب النظيفة والتطيب، تعظيما لمن نُقدم عليه ونشرا لروح الحب والائتلاف وحب الاجتماع وهذا من أعظم المقاصد الشرعية، ذلك أن الأرواح المطمئنة تنفر من المناظر الكريهة والروائح النتنة، وما نفرت منه الأرواح المؤمنة نفرت منه الملائكة، ويحرم مزاحمة المبكرين وتخطي رقابهم، فحق المتأخر الجلوس حيث ينتهي به المجلس، ما لم يتملأ المسجد والمبكر قد ترك فراغا أمامه، أما التخطي فخطأ استوجب ان يقطع النبي e خطبته آمرا المتخطي بالجلوس ومعنفا له بقوله "آنيت وآذيت" فيجمع حشفا وسوء كيلة، 

ومن أنعم الله عليه بصحة وعافية فأمكنه الاستغناء عن الكرسي فليفعل وليتركه لمن يحتاجه، ومن احتاج إلى الكرسي فليكن بين ناظريه احترام من بجانبه ومن خلفه فلا يضايقهم ولا يؤذيهم بقدمه، 

وكذلك المصاحف يجب احترامها فلا تُمد الأرجل أمامها ولا تستدبر بدون حاجز ما أمكن ذلك.

 ولاحظ أمرا، كلما بكّرت وتنفلت وقرأت من القرآن ما تيسر كان للخطبة وللصلاة أثرا في قلبك يفتقد مثله المتأخر الذي لا يحضر إلا قرب دخول الخطيب أو بعده. 

عباد الله للجمعة يوما وللجمعة خطبة وصلاة، عظمة وخصوصية فلنعتن بها يُعظِم الله لنا الأجر والقدر ويخصّنا بمزيد فضل منه تبارك وتعالى. عباد الله يقول رسول الله e: إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللهَ فِيهَا خَيْرًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» وكذلك يقول رسول الله e: إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ قُبِضَ وَفِيهِ النَّفْخَةُ وَفِيهِ الصَّعْقَةُ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» فعظّموا ما عظّم الله واغنموا فضل الله، استعدوا للجمعة مبكرا وبكّروا إليها وتنفلوا واتلوا وادعوا ما تيسر لكم وأكثروا الصلاة على نبيكم

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل