خطبة الجمعة 26 / 10 1443 احذر الغفلة عن عقوبات الله
الحمدلله العزيز الحكيم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول، لا معقب لحكمه ولا رادّ لقضائه ولا مانع لعطائه، أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
فاتقوا الله وأطيعوه ما استطعتم، واحفظوا أنفسكم مما يكره ربكم وسِعكم، وتقربوا إليه بما يحب، يحبكم ويحفظكم ويدرأ الشر عنكم. يقول تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ" ويقول سبحانه "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ"
يوصينا ربنا أن نتقيه في كل شؤوننا وأحوالنا، وأن نحافظ على التقوى ما حيينا، وأن نعين بعضنا على التقوى كي نفوز ونفلح، فالتقوى غاية عظمى عاقبتها السعادة في الآخرة والأولى، طريقها تكرهه النفس أحيانا وتطمئن فيه دوما وتسعد في نهايته بثمرة تقواها.
يقول تعالى "يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ" والفتنة خروج عن صراط الله المستقيم بفساد القلب والفكر فسادا يصرفه نحو الشر سواء على نفسه أو على غيره.
ولقد أكّد جلّ وعلا لعباده المؤمنين وللخلق أجمعين علمه سبحانه واطلاعه ومراقبته لشؤون خلقه، وعنايته سبحانه بعباده المؤمنين ورعايتهم، كما أكّد سبحانه أنه يرسل للناس ما ينبههم لتجاوزهم الحدّ علّهم يرجعون "وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا مَا حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡقُرَىٰ وَصَرَّفۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ" يرسل جلّ وعلا تحذيراته من خلال أحداث تنزل بنا أو أحداث نشاهدها من حولنا، تحذيرات قد تكون عقوبة عاجلة وقد تكون ابتلاءات نازلة، قد يترك الله إعانتك علّك تنتبه فترى في نفسك تقصيرا وإعراضا، فإن أدركت أن الله نبهّك فانتبهت كان ذلك خيرا وإن زادت غفلتك كان ترك الله إعانتك عقوبة لك من حيث لا تشعر.
قد يرسل الله أحداثا عامة تُشاهد لا قدرة على ردّها ولا يُدرى كيف تؤثر! فهذا مرض متوار في زاوية من زوايا الأرض وفجأة يتحول لوباء يعمّ الأرض وينتشر بين الخلق محدثا خللا اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، وما أن ينتهي وباء عظيم حتى يُعلن عن غيره أشد منه وقعا وضررا، وما أن يستطيب الناس معيشتهم حتى يأتي ما يفسدها من مرض أو غلاء ونحوه، أحداث تأتي بخوف أو بجوع أو بنقص في الأموال أو الأنفس أو الثمرات، وأحداث تمر بالقلب تُفسد سلوكه، وكلها نذر إلهية تدعو للتمسك بصراط الله المستقيم. لو تأملنا اليوم في حالنا لوجدنا أننا محاطون بنذر إلهية عدة تدعو للتأمل والانتباه ومراجعة النفس والتوبة قبل ضياع الفرصة. "قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَا تُغۡنِي ٱلۡأٓيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ"
كان فيما مضى يكفي خسوف الشمس وكسوف القمر كمنبه ومذكّر وفازع بالقلوب إلى الله والآن تُشاهد العقوبات من حولنا وتتنزل بعضها علينا فلا تجدد حياة قلب ضعف وغفل، وأصبح ما يخاف بسببه رسول الله e ويفزع بسببه حدثا كونيا يُستمتع به، وأصبحت الكوارث والأزمات أحداث مجردة من رسائل الله. "أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ"
إن من أشدّ ما يُعاقب به المسلم قسوة قلبه حتى يعتاد الذنب فيدمنه فيكون الذنب هو الحق، ويكون الحق جرما في حق النفس ورفضا للحياة، رحمة الله واسعة ومغفرته عامّة والخطأ سمة البشر، ولكن للذنب خطره إن لم ينتبه له فالله قويٌ شديد العقاب إذا أخذ الظالم لم يفلته، سيكون الذنب مصدر خير إن رأته النفس ذنبا فاستغفرت وتابت، ويكون الذنب سببا لذنب أكبر وسببا لعقوبة لا تُستطاع إن احتُقِر ولم ير شيئا، يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ». مسلم. يقول عزّ وجل "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا" هم مؤمنون والمؤمنون خير خلق الله ومع ذلك يُنادون إلى التوبة النصوح.
أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده سبحانه وأشكره وأثني عليه الخير كله، وأصلي وأسلم على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله
عن رَبِيعَة بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ، قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: سَلْ فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» مسلم.
الجنة ومرافقة الحبيب قرب المولى جلّ وعلا تحتاج لعمل يسير، فقط أكثر نوافل الصلاة فالصلاة تقربك لربك وتحط عنك وزرك وترفع عند الله قدرك، ولعشر دقائق اتل كتاب ربك وأكثر من ذكره جلّ وعلا، لا تغفل عن القرآن ولا عن الأذكار فهما مطهران لقلبك كلما تلوث، وإن طهر قلبك نجوت من عقوبة ربك، وأكثر الدعاء، اطلب المغفرة والرحمة والثبات والإعانة والعفو والعافية وستكون بخير ما دمت حيا وبخير متى ما رحلت عن الدنيا، واحذر أن يغلبك المفتونون فتهلك معهم،
اعرف الحرام جيدا فلا تهوّن من شأنه واجتنبه وأهله،
ولا تحرم مباحا فتفتري على الله كذبا،
ولا تفرّط في واجبا فتخسر صلة بربك
"وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ"
تفقدوا أنفسكم وتأملوا العالم من حولكم واستغفروا ربكم وأكثروا
الصلاة على نبيكم الذي خاف الفتنة عليكم وهو في شوق لرؤيتكم.
تعليقات
إرسال تعليق