رمضان شهر الله، المحبوب لك أيها المؤمن المحبوب خطبة الجمعة 29 / 8/ 1443

 الحمد لله البر الرحيم الملك الحكم يحكم لا معقب لحكمه وهو الولي الحميد. أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وصفيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله 

فيقول ربنا تبارك وتعالى "إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ" فاتقوا الله واعتبروا بتصرم الأيام فإنما هي مسافات تقصر. 

عباد الله ها قد أطلّ علينا شهر رمضان المبارك، شهرٌ أحبه الله وجعله شهر أحب الأعمال إليه، وأحب جلّ جلاله من أحب هذا الشهر واعتنى به قولا وعملا، شهرُ رمضان شهرٌ عظّمه الله ويُعظم جلّ جلاله قدر من عظّمه، يقول تبارك وتعالى 

"شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ

لم يذكر الله تعالى شهرا باسمه إلا رمضان في تنبيه لشرفه وفضله ومكانته، وتأكيدا لأهمية ومكانة رمضان كان فيه نزول القرآن الكريم، تعظيما لرمضان كان سمته الصيام العمل الذي خصّ الله تعالى به نفسه المقدسة ولذا فلا ترى إلها يُتقرب إليه بالصيام غير الله جلّ جلاله، يَقُولُ e: قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا ‌الصِّيَامَ، ‌فَإِنَّهُ ‌لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ. متفق عليه

فلله تعالى فقط يكون الصوم. رمضان نعمة للأمة وبلوغه والهداية لعظمته ومكانته والتمكن من العمل فيه نِعمٌ يجب ان تُشكر.

 وإذا علمت عبد الله أن رمضان شهرٌ محبوب عند الله تعالى فاعلم أنك كذلك محبوب عنده سبحانه إن أحببت ما أحب وأمر، وقد فضّلك سبحانه على كثير من خلقه تفضيلا كثيرا، ففضّل نفسك تفز بالفضل، حبا لك وتفضلا عليك اصطفاك ربك وهداك للإيمان وأهداك القرآن وجعلك من أمة إمام الأنبياء والمرسلين فارع هذا الاختيار وهذا الفضل، يقول تعالى "ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ

ثم ها هو جلّ جلاله حبا لك وتفضلا عليك يوالي عليك الفرص ويهيئ لك الأسباب، لتبرهن صدق الحب منك له سبحانه، ولتبرهن صدق إيمانك بوعده ووعيده، ولتبرهن صدق حبك لنفسك، وذلك بالعمل الذي لا يعوّض في الزمن الذي لا يعوّض، ومن هذه الفرص هذا الشهر المبارك، ولقد كان رسول الله e حبا لأمته يبشرهم به فيقول: أتاكم ‌شهرُ رمضانَ، شهرٌ مبارك، فرض الله عليكم صيامَه، تفتح فيه أبوابُ السماءِ، وتغلقُ فيه أبوابُ الجحيمِ، وتُغَلُّ فيه مرَدة الشياطين، لله فيه ليلةٌ خيرٌ من أَلفِ شهرٍ، من حُرم خيرها، فقد حرم» أحمد والنسائي وصححه الألباني

هذا الشهر هو نعمة من نعم الله تهيأت فيه الأسباب وفُتّحت فيه أبواب الرحمات ومّنحت فيه الإعانات على العمل وحيل فيه بين أهل الأهواء الشهوات وبين ما كانوا يصلون إليه، فاحذر أن تُضيّع الهبة بالكسل، واحذر الشيطان وجنده لا تُمكّنهم مما منعوا منه، واحذر القرب منهم وقد أبعدهم ربك عنك. أرأيت كيف يهب الله تعالى الزوجين اللذين كانا غريبين عن بعضهما ذاك الود وتلك الرحمات يجدانها في قلبيهما لبعضهما وبها يحققان جنة الحياة وجنة البيت أي السكينة والألفة؟ 

في رمضان يهبك الله مشاعر حب لرمضان وللعمل فيه فتجد في نفسك من حيث لا تدري إقبالا على الطاعة ونفورا من المعصية وذلك من آيات الله لأجل أن تفوز بالجنة كما يفوز الزوجان بالسكينة، فاحفظ نعمة حب الطاعة ونعمة الإعانة على العمل ونعمة الصيانة من أهل الأهواء تفز برضا ربك وجناته. 

الحمد لله العزيز الحكيم والصلاة والسلام على النبي الكريم محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عبد الله 

فيقول سبحانه "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا

حينما تشرق شمس كل يوم من أيام رمضان تذكر ما مضى وكيف ضاعت فيه فرص لا تحصى فاشكر وتدارك العمر؟ 

مع كل صلاة فجر تذكر هبة الله لك وتذكر اختيار الله لك وتذكر إرادة الله لك اليسر والمغفرة والرحمة بهذا الصيام فاشكر وارع صيامك واعتن به كي لا تخسر،

 كلما بدأت في الصيام فتذكر قوله e: ‌الصِّيَامُ ‌جُنَّةٌ إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ، أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ" وفي الحديث الآخر يقول عليه الصلاة والسلام: ‌الصِّيَامُ ‌جُنَّةٌ مِنْ النَّارِ، كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْقِتَالِ" وجُنّة أي وقاية، وقاية لك من المخاصمة وقاية لك من الانفعال والغضب وقاية لك من الفاحشة فلا تضيّع الوقاية ولا تضعفها. 

كلما صمت فتذكر قوله e: إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ ‌الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ" احرص أن تكون منهم فاعتن بصيامك.

 تذكر عبد الله أن شهر رمضان شهر محبوب عند الله محبوب العمل فيه محبوب كل من تقرب فيه، فاعتن رعاك الله بما يحب الله يحببك سبحانه وتعالى وييسر لك ما تحب من الخير.

 يحب الله تعالى الصلاة فاحرص عليها وبادر إليها، واعلم أنه تعظيما للصلاة فقد شرع لها الأذان ينادى به الناس من بيوتهم ومن أسواقهم ومكاتبهم وشرعت الإقامة لتجمّع من هم بداخل المسجد حتى لا تفوتهم تكبيرة الإحرام، فالإقامة ليست لمن هم خارج المسجد فلا تنتظرها وبادر حينما تسمع النداء الذي وجّه إليك، لا تفرط رعاك الله في صلاة التراويح فإن من حب الله لها فهو يمنحك حينما تلتزم بركعات مع الإمام ثواب من قام الليل كله. 

لأن الله يحب منك ان تتلو القرآن في رمضان فأحب هذه التلاوة واعتن بها ولا تكرر تقصيرك فيما مضى واحرص على تكرار الختمة مرارا وتكرارا. أمر الله بالصيام وأمر معه بالدعاء فادع وادع وأكثر الدعاء لتفوز فوزا عظيما.

 حينما تصوم تذكر قوله عليه الصلاة والسلام: مَا مِنْ حَسَنَةٍ عَمِلَهَا ابْنُ آدَمَ إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، ‌الصِّيَامُ ‌جُنَّةٌ. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ.

إذا تذكرت هذا كله وعلمت مقدار الفضل عليك والحب لك من ربك فلا تتخذ من وظيفتك ولا من دراستك حجة تغر بها نفسك فتفرط في صلاتك، واتخذ من الدراسة في نهار رمضان سببا لتغيير نظامك المعتاد في ليالي رمضان الذي لم يعد عليك بخير فيما مضى من عمرك فالله إنما أراد لك برمضان اليسر فلا تشق على نفسك. ولا تخسر حب الله لك، فالله يبادلك قربا بقرب اكثر وحبا بحب أكثر فلا تخسر وادع وأكثر الدعاء كي لا تخسر. 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل