اصنع أثراً جميلا قبل الرحيل. خطبة الجمعة 22 / 8 / 1443 هـ

 الحمد لله الحي القيوم مالك الملك ومدبر الأمر العزيز الحكيم، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيقول الله جلّ في علاه 

"وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ  ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

ويقول سبحانه 

"وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ  ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ

عباد الله خُلقنا واؤتمنا على أعمارنا وأرواحنا وأجسادنا، وسنسلمها لبارئها بعد وقت قصير، وسنسأل عمّا قدّمنا، ها هم الناس من حولنا ذكورا وإناثا، صغارا وشبابا وشيبا يرحلون بتسارع عجيب، والراحلون فجأة أكثر من الراحلين بمرض، ومن لم يمهلهم المرض أكثر ممن أتعبهم قبل رحيلهم، وعند كل زيارة للمقبرة يتفاجأ الزائر بعدد من دفنوا بعد زيارته الأخيرة، رحيل أقل ما يقال عنه مروّع بكثرة الراحلين ومروّع بقلة المعتبرين، والحدث المتشابه بعد كل وفاة هو الحديث عن عمل خيّر للميت يثنى عليه به، فالبعض تسابقه أعماله وتعلن عن نفسها، وآخرون يحتاج أحبتهم للبحث عن عمل يواسون به أنفسهم أن محبوبهم الراحل قد قدّم خيرا! ومع انتشار برامج التواصل والتنافس المحموم القبيح في استقطاب الجمهور تكسبا للمال تحمّل الأحبة البحث عن نشاطات لمحبوبهم الراحل في تلك البرامج، يخشون عليه من تبعات نشاطه المبتذل الذي كان يضحكهم به ويجذبهم به دون مبالاة بأثاره سوى المال والشهرة، كانت تفاهته وكان لهوه ولهثه خلف المال واستقطاب الجمهور مُنسيا له نفسه ومُنسيا له موعد رحيله، حتى توهم انه مثال رائع للمتمتع بحياته، ولكن ما أن يموت حتى تتعالى الدعوات لتقوى الله ولحذف ما قدّم من سوء كان يضحكهم به وكانوا يتسابقون لمتابعته لأجله، وما علم أحبته ومتابعوه أنهم هم بمتابعتهم له شركاء له في الجريمة التي أجرمها في حق نفسه وفي حق مجتمعه، فأسوء من الفاسق من لهث خلفه متابعا له قاتلا وقته وراء عبثه فلا دين حفظ ولا دنيا أبقى، فقبل أن يعتني المحب بتطهير الأثر الفاسد لمحبوبه كان عليه تدارك نفسه وتطهير سجله من متابعة ومشاهدة ودعم لفاسق بمتابعة. 

عباد الله كلنا راحلون والله تعالى يقول "يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ

عبد الله خلقك الله وقدّر ظروفك وإمكانياتك وكلفك وفق ما مكّنك وأنت أعلم بنفسك، فتفقد نفسك والزم عملا يحضر فيه قلبك وعقلك مع بدنك، وحاول أن تُبقي لك عملا يمتد بعد رحيلك، علما ينتفع به وعملا صالحا يستمر أثره ونشاطه إلى ما شاء الله وولد صالح ومتعلم منك صالحا ومقتدي بعمل صالح منك يدعو لك ويأتيك ثواب عمله الذي عمل تأثرا بك. 

كل إنسان مهما كان بيده أن يصنع أثرا جميلا محمودا، والأثر بالقدوة أقوى من الأثر بالكلمة ولنستحضر دوما قول الله تعالى "إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ

سيحيي الله أثرك ويُشهدك على نفسك فاصنع أثرا جميلا ما دمت حيا، أثرا يجمّلك عند ربك وتحمد نفسك عليه يوم تراه بين يدي ربك جلّ جلاله، ولا يغرنك متقلب في فسق ولهو ومال ضيّع فيه دينه وقيمه، فكما قيل الموعد يوم الجنائز ليس موعدا بكثرة المشيعين كما يظنه البعض، بل موعدا بكثرة شهادات القلوب الصادقة بالخير، التي للأسف فهي عادة لا تنطق إلا بعد الموت حيث لا يسمعها المشهود له ولا يستمد منها طاقة محفّزة له لمزيد خير. 

 الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله 

فاتقوا الله واتقوا يوم لقياه واتقوا لحظة الوفاة، واعملوا على أن تحفكم ملائكة الرحمة حين رحيلكم جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الحاكم والبيهقي وأحمد وصححه الألباني والهيثمي والوادعي وغيرهم عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ e فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ e وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرُ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «اسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمَ الشَّمْسُ، حَتَّى يَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَيَقْعُدُ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ، فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ، فَإِذَا أَخَذُوهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ، وَذَلِكَ الْحَنُوطِ، فَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ. بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ، فَيَسْتَقْبِلُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يَنْتَهَى بِهِ إلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، قَالَ: فَيَقُولُ اللهُ: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، وَأَعِيدُوهُ إلَى الأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى. فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّك؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلَامُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللهِ e. فَيَقُولَانِ: مَا عَمَلُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللهِ وَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ بِهِ. فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إلَى الْجَنَّةِ. فَيَأْتِيهِ مِنْ طِيبِهَا وَرَوْحِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بَالَّذِي يَسُرُّك، هَذَا يَوْمُك الَّذِي كُنْت تُوعَدُ. فَيَقُولُ: وَمَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُك الْوَجْهُ الَّذِي يَجِيءُ بِالْخَيْرِ. فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُك الصَّالِحُ. الحديث.. 

هذه صورة من صور الآخرة نؤمن بها لأن الصادق المصدوق أخبرنا وحذّرنا بها، ولا ننس قول الله تعالى "يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ

فلنعمل عملاً صالحاً يُثني به علينا ربنا وبه يُثبّتنا وبه نستبشر حين لقاء أعمالنا، ولنصنع أثرا جميلا يلحقنا بعد رحيلنا، ولا يغرنا تقلب الفساق في مشاهد كاذبة من النعماء، ولنحذر نقل وصناعة ما يضحكنا ويضحك الآخرين ثم نندم إذا رأيناه، ولا ننس أن نبينا الحبيب عليه الصلاة والسلام قد وعدنا الحوض نلتقي عنده ونتبادل معه الفرحة باللقاء إن لزمنا سنته وثبتنا عليها حتى رحيلنا، فأكثروا من الصلاة والسلام عليه كل حين وبالأخص يوم الجمعة زيدوا فيه صلاة وسلاما يرده عليكم والله بكل صلاة منكم على نبيه يصلي بها عليكم وملائكته عشرا. اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل