تعظيم الأشهر الحرم كلمة لجمعية الدعوة يوم الثلاثاء 14 / 7 /1443
الحمد لله كما ينبغي لجلال
وجهه وعظيم سلطانه والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين سيد
ولد آدم أجمعين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد.
رحمة من الله تعالى ومنّة
فإنه سبحانه وتعالى يجعل في حياتنا القصيرة المليئة بالغفلات محطات نتوقف عندها
لمراجعة النفس والتدقيق في سيرها نحو الله والدار الآخرة، محطات عدة في طريقنا
منها الصلوات الخمس ويوم الجمعة ورمضان وغيرها كثير ومحطتنا التي نتوقف عندها
اليوم هي محطة الأشهر الحرم.
فماذا يُقصد بالأشهر
الحُرم؟
أما الشهر فجمع شهرٍ وهو
الزمن المعروف والذي هو عبارة عن دورة كاملة للقمر، من بدايته كهلال وإلى عودته
مرة أخرى هلالا ثم اختفاؤه.
وأما الحُرم فهو الزمن الذي
خصّه الله تعالى بأمر يتفرد به عن غيره، أمرٍ يُعظّم فيه، ولكل موسم عمله ولهذه
الأشهر عملها الخاص وهو ضبط النفس والامتناع عن أي صورة من صور الاعتداء على
الآخرين.
وقد أجمعت الأمة على أن الأشهر الحرم هي أربعة ثلاثة سرد وواحد فرد،
بمعنى ثلاث متواليات وواحد منفرد عنها. وذلك لقول الله تعالى " إِنَّ عِدَّةَ
الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ
الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ
كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ
الْمُتَّقِينَ" ولقوله صلى الله عليه وسلم: "الزَّمَانُ
قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ،
السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ
مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ،
الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ" البخاري.
فالأشهر أربعة يجب فيها العناية بضبط المشاعر وكبح الانفعالات والامتناع
عن أي إساءة للآخرين أيا كانت أكثر مما هو واجب في بقية العام. وما معنى قوله عليه
الصلاة والسلام إن الزمان قد استدار؟ كانت القبائل العربية تعظم الأشهر الاربعة
هذه، ولكن لمصالح فئة متسيدة آنذاك كان يتم العبث في التوقيت فيقدمون شهرا محرما
ويؤخرون آخر، وذلك بنقل مسمى الشهر لشهر آخر ليواطئوا عدة ما حرم الله فيكون
أحيانا رجب في شهر رمضان، كما قال تعالى " إِنَّمَا النَّسِيءُ
زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ
الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا
عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ"
وعن مجاهد رحمه الله، بتصرف في قوله تعالى (إنما النسيء زيادة في
الكفر) قال: فرض الله الحج منذ عهد الخليل إبراهيم عليه السلام في ذي الحجة، وكان
المشركون يسمون الأشهر بمسماها المعروف، ولكن يبدءون بذي الحجة وينتهون به
فيجعلونه في العام مرتين ويسكتون عن شهر محرم فلا يذكرونه، ثم يبدأون العام بصفر ويسمون
شهر جمادى الآخرة برجب ويحذفون شعبان ويبدلون الأشهر بالتي تليها فيسمون شعبان
رمضان ورمضان شوال وشوال ذا القعدة وذا القعدة ذا الحجة ومحرم ذا الحجة فيحجون في
محرم على أنه ذا الحجة ثم يعيدون الكرة مرة أخرى بتبديل أسماء الشهور، فمرة يقع
الحج في شهر ذي القعدة فعليا بينما هم يسمونه ذا الحجة بعد التبديل ومرة في محرم ويتكرر
الحج عندهم في ذات الشهر المبدل في عامين فيقع الحج لمرتين متتاليتين في محرم او
في ذي القعدة، ولما حج أبو بكر رضي الله عنه بالناس صادف الحج في شهر ذي القعدة
المسمى بذي الحجة ولما حج النبي صلى الله عليه وسلم صادف الحج في شهر ذي الحج فوقع
الحج في نفس الموعد الذي كان على عهد الخليل إبراهيم عليه السلام. وهذا المراد
بقوله عليه الصلاة والسلام: "الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ
يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ " البخاري. أي هذا هو الموعد الحق لشهر ذي الحج وبالتالي ترتب أشهر السنة وفق ما
أمر الله به.
لماذا الأشهر الحرم؟ أما الحكمة فعلمها عند الله تعالى والله جلّ جلاله
لا يُسأل عما يفعل ويختار، وحين تحريم هذه الأشهر لم تكن جزيرة العرب فوضى وحروب وليس
ثمة عصابات تقطع الطريق بصفة ثابتة بل لم يكن الناس حينها يعرفون الحج لمكة إلا
بعد الخليل عليه السلام، ولذا فالتحريم ثابت لا يتغير بتغير ظروف الحياة فهذا
اختيار الله منذ خلق السموات والأرض، وللنصوص الواردة حول هذا التحريم ندرك بان المقصود
بالتحريم التغليظ على جرائم الاعتداء والظلم، والحث على تعويد النفس على ضبط
الانفعالات وعدم الانسياق خلف عبارات ومواقف الإثارة النفسية التي نمر بها بشكل
مستمر تقريبا.
كانت العرب في جاهليتها وخضوعها للأصنام تُعظّم هذه الأشهر حتى إن
الرجل ليواجه قاتل أبيه فلا يهجوه! ليس فلا يقاتله، بل لا يهجوه حتى التلفظ بسوء
لا يُقدم عليه تعظيما لهذه الأشهر وإن حدث خطأ فتجاوز أحدهم هذه الحرمة فالكل
يلومه والمثل المعروف سبق السيف العذل، أن ضبة بن أد واجه قاتل ابنه في سوق عكاظ
فقتله في قصة معروفة فلما لامه الناس قال هذه الجملة. وذات مرة ارسل النبي صلى
الله عليه وسلم رجالا من صحابته فلقوا رجلا من المشركين يقال له ابن الحضرمي
فقتلوه ولم يعلموا أنهم قد دخلوا في شهر رجب بعد، فوجدها المشركون فرصة للهجوم على
النبي صلى الله عليه وسلم وعلى دينه وصحابته، فكيف تقتلون رجلا في الشهر الحرام،
وكبر ذلك على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى صحبه فأنزل تعالى قوله "يَسْأَلُونَكَ عَنِ
الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ
قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ
سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ
مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ
وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ
حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ
فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ
النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" فأقر الله تعالى عظمة وخطر القتال في الشهر الحرام ولكن شدد
وأعظم قضية البقاء على الكفر وفتن الناس عن دينهم، ويقول تعالى "يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ
وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا
وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا
عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
الْعِقَابِ" ويقول سبحانه "جَعَلَ اللَّهُ
الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ
وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"
فهذه الأشهر أشهر معظّمة محرمة لا يصح التهاون في تعظيمها بأي حال من
الأحوال والله تعالى يقول " ذَلِكَ وَمَنْ
يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ"
ومن هذه الأشهر الحرم شهر رجب الحالي
فرجب شهر
محرم عظّمه الله تعالى وعظّمه رسول الله e وعظّمه المؤمنون، ومع
هذا التعظيم ما كان المؤمنون ليخصوا شهر رجب بعبادة معينة اللهم إلا زيارة البيت
الحرام، لأنها إحدى الغايات من تحريم الأشهر الحرم. يقول ابن كثير رحمه الله: وَإِنَّمَا كَـانَتْ
الْأَشْـهُر الْمُـحَرَّمَة أَرْبَعَة ثَلاثَة سَـرْد وَوَاحِد فَرْد لأَجْــلِ أَدَاء مَنَاسِـك الْحَجّ
وَالْعُمْرَة- قال وَحَرَّمَ رَجَب فِي وَسَط
الْحَوْل لِأَجْلِ زِيَارَة الْبَيْت وَالِاعْتِمَار بِهِ لِمَنْ يَقْدَم إِلَيْهِ مِنْ أَقْصَى جَـزِيرَة الْعَـرَب فَيَزُورهُ ثُمَّ
يَـــعُود إِلَى وَطَنه فِيهِ آمِنًا. أ هـ فهذه غاية من الغايات ولكن ضبط السلوك
وكبح جماح شهوة الغضب والتسلط وأكل الحقوق ونشر الود والتآلف غاية عظمى، فشهر رجب
والأشهر الحرم عامّة أشهر يعظم فيها وزر الظلم أكثر مما في غيرها، ولأن الأمن
اليوم حاضر والناس مجبورون على الالتزام بالأنظمة ولأن حرمة الأشهر باقية والتعظيم
لها مُلزِمٌ، فيجب الاستفادة من الأشهر الحرم في تغيير ما قد يكون موجودا في النفس
من خُلق سيء يجرُّ إلى الظلم بغير قصد، من كره وتسلط وغيبة ونميمة وقطيعة رحمة
فنتاج هذه الأخلاق ظلم ودمار للطرفين، نغيّر خلقا سيئا ونضبط انفعالا وجِدَ سببه
تعبدا لله تعالى فإنما نصّ الله تعالى على النهي عن الظلم للآخرين وسماه ظلما
للنفس، كما قال تعالى "وَلَا
تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ
نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى
اللَّهِ يَسِيرًا" فسمّى الاحتيال التجاري
أكلا بالباطل ونبه سبحانه إلى أن التسبب في ضرّ الآخرين قتلا لهم، ولأن المجتمع
كيان واحد فالله تعالى يعتبر قتل المسلم للمسلم أو التسبب في قتله إنما هو قتلٌ للنفس.
وهذا الوعيد بالنار في الأشهر العامّة فما بالك بالأشهر المحرمة؟ نسأل الله
السلامة والنجاة من سخطه وعقابه ومن مشابهة أعدائه سلوكا ومنظرا.
ولما فتح الله لنبيه مكة وعمّ الإسلام جزيرة العرب عاد أهلها للحنيفية
السمحة جميعا وعمّهم رضا ربهم، ولكن لما طال الزمان ضعفت الهمم وعاد الجهل وكان
للبدع حضورها في هذا الشهر وفي غيره، بدع هي من خطوات الشيطان التي يضل بها العباد،
فشرع الشيطان عن طريق بعض من وثق الناس فيها وأحسنوا الظن بهم، شرع لهم عبادات لم
ينزل الله بها من سلطان، يظنون أنها تختصر عليهم العمل وأنها تزيدهم قربة لربهم
متناسين قول الله تعالى "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" فكل ما لم يشرعه الله ورسوله من تخصيص زمن أو من عمل فهو ظلم للنفس في صلتها
بربها، ومعارضة لمنّة الله تعالى بإكمال هذا الدين. المؤمن المعظّم لما عظّم الله
لا تتغير عباداته في شهر رجب اللهم إلا حرصا على أداء العمرة فقط، وإنما تتغير
عاداته وسلوكه مع الآخرين، تتغير مشاعره السلبية لمشاعر ودّ وتقبّل، تتغير صور
القطيعة مع ذوي الرحم إلى صور جميلة من التواصل والتوادّ والتآلف، تتغير عادة
الانفعال وعدم ضبط النفس إلى سكينة وحلم وأناة، نتخذ مما عظّم الله سببا ليعظم قدْرنا
عنده جلّ جلاله. عبد الله عند كل فرصة تسنح للتشفي من أحد ما لنتذكر قول حبيبنا
عليه الصلاة والسلام: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ
عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي
شَهْرِكُمْ هَذَا وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَسَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ
أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ
أَلَا لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ أَنْ
يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ} البخاري.
فلنتخذ عباد الله من هذا الشهر فرصة لنجرب سلوكا مملوءا
حبا ولطفا وصلة لمن كان بيننا وبينهم شيئا في النفس فإن الله لا يغير ما بقوم حتى
يغيروا ما بأنفسهم، ولا شيء يجلب رضا الله وقبوله ورحمته وفضله كقلب سليم ومشاعر
طيبة تجاه الآخرين وبالأخص من كانوا من الدرجة الأولى في النسب لك أو لزوجك أو
لذريتك. لنفتح صفحات جديدة مشرقة فرمضان على الأبواب وهو لأهل القلوب المشرقة فقط.
تعليقات
إرسال تعليق