الأشهر الحرم أشهر ضبط النفس، أشهر التغيير الإيجابي خطبة الجمعة 10 / 7 /1443
الحمد لله يخلق ما يشاء ويختار وهو اللطيف الخبير أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وخيرته من خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كيرا وبعد عباد الله
فيقول الله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ"
فلنتق ذلك اليوم هذا اليوم، وذلك بتعظيم ما عظمّه الله وما حثّ سبحانه على تعظيمه مما أمر به من القول والعمل ومما أحب من حسن الخلق وطيب المعشر ومن المبادرة للطاعة في المنشط والمكره وبالبعد عما كرهه الله سبحانه من القول والعمل.
عباد الله يقول سبحانه "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ"
نظّم الله تعالى السنة واختار منها ما شاء من الأيام والشهور ليخصها بعظيم خاص بها، فإما عملٌ عظيم يُرغّبُ فيه، أو عمل سيء يُعظّمُ خطر الإقدام عليه، واختار سبحانه وتعالى أربعة أشهر حرّم فيها الاعتداء على الغير أكثر مما هو محرم في غيرها، ودعا لضبط النفس وانفعالاتها أكثر مما هو معتاد.
وعرفت هذه الأشهر بالتحريم منذ عهد الخليل إبراهيم عليه السلام، وبهذا التعظيم والتحريم عُرفت الحنيفية السمحة، ولكن لما طغى الشرك والجهل في جزيرة العرب وتحكم في أهلها بعض ساداتها كانت مصالح السادة ورغباتهم هي الموّجه لأنظمة الحياة حينها، وما كان يفسد على السادة مصالحهم كهذه الأشهر الحرم التي يعظّمها العرب ولا يقبلون المساس بعظمتها ولا بالتعرض لما حُرِم فيها، فكان أن أوهم السادةُ الأتباعَ بحقهم الشرعي في تبديل ونقل التحريم لأشهر أخرى تبعا لمصالح يقدرونها هم.
يقول جل جلاله ذامّ لهم "إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" ولما حطّم رسول الله e أصنام وشعائر الجاهلية أعاد ترتيب هذه الأشهر إلى ما كانت عليه زمن الخليل إبراهيم عليه السلام، وهي شهر رجب الحالي وأشهر ذي القعدة وذي الحجة ومحرم. يقول عليه الصلاة والسلام: إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ} البخاري.
ونسب e شهر رجب لقبيلة مضر لأنهم كانوا محافظين على زمانه ويبالغون في تعظيمه والعرب تنسبه لهم لعظيم صنعهم.
رجب شهر محرم عظّمه الله تعالى وعظّمه رسول الله e وعظّمه المؤمنون، وما كان المؤمنون ليخصوا شهر رجب بعبادة معينة اللهم إلا زيارة البيت الحرام، لأنها الغاية من تحريم الأشهر الحرم.
يقول ابن كثير رحمه الله: وَإِنَّمَا كَـانَتْ الْأَشْـهُر الْمُـحَرَّمَة أَرْبَعَة ثَلاثَة سَـرْد وَوَاحِد فَرْد لأَجْــلِ أَدَاء مَنَاسِـك الْحَجّ وَالْعُمْرَة- قال وَحَرَّمَ رَجَب فِي وَسَط الْحَوْل لِأَجْلِ زِيَارَة الْبَيْت وَالِاعْتِمَار بِهِ لِمَنْ يَقْدَم إِلَيْهِ مِنْ أَقْصَى جَـزِيرَة الْعَـرَب فَيَزُورهُ ثُمَّ يَـــعُود إِلَى وَطَنه فِيهِ آمِنًا. أ هـ
فشهر رجب والأشهر الحرم عامّة أشهر يعظم فيها وزر الظلم أكثر مما في غيرها، ويجب فيها التعوّد على ضبط النفس.
ولأن الأمن اليوم حاضر والناس مجبرون على الالتزام بالأنظمة ولأن حرمة الأشهر باقية والتعظيم لها مُلزِمٌ، فيجب الاستفادة من الأشهر الحرم في تغيير ما قد يكون موجودا في النفس من خُلق سيء يجرُّ إلى الظلم بغير قصد، من كره وتسلط وغيبة ونميمة وقطيعة رحمة فنتاج هذه الأخلاق ظلم ودمار للطرفين، نغيّر خلقا سيئا ونضبط انفعالا وجِدَ سببه تعبدا لله تعالى فإنما نصّ الله تعالى على النهي عن الظلم للآخرين وسماه ظلما للنفس، كما قال تعالى "وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا"
سمّى الاحتيال التجاري أكلا بالباطل ونبه سبحانه إلى أن التسبب في ضرّ الآخرين قتلا لهم، ولأن المجتمع كيان واحد فالله تعالى يعتبر قتل المسلم للمسلم أو التسبب في قتله إنما هو قتلٌ للنفس. وهذا الوعيد بالنار في الأشهر العامّة فما بالك بالأشهر المحرمة؟ نسأل الله السلامة والنجاة من سخطه وعقابه ومن مشابهة أعدائه سلوكا ومنظرا.
الحمد لله العزيز الحكيم والصلاة والسلام على النبي الكريم محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله
فلما فتح الله لنبيه مكة وعمّ الإسلام جزيرة العرب عاد أهلها للحنيفية السمحة جميعا وعمّهم رضا ربهم، ولكن لما طال الزمان ضعفت الهمم وعاد الجهل وكان للبدع حضورها في هذا الشهر وفي غيره، بدع هي من خطوات الشيطان التي يضل بها العباد، فشرع الشيطان عن طريق بعض من وثق الناس فيها وأحسنوا الظن بهم، شرع لهم عبادات لم ينزل الله بها من سلطان، يظنون أنها تختصر عليهم العمل وأنها تزيدهم قربة لربهم متناسين قول الله تعالى "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا"
فكل ما لم يشرعه الله ورسوله من تخصيص زمن أو من عمل فهو ظلم للنفس في صلتها بربها، ومعارضة لمنّة الله تعالى بإكمال هذا الدين.
المؤمن المعظّم لما عظّم الله لا تتغير عباداته في شهر رجب اللهم إلا حرصا على أداء العمرة فقط، وإنما تتغير عاداته وسلوكه مع الآخرين، تتغير مشاعره السلبية لمشاعر ودّ وتقبّل، تتغير صور القطيعة مع ذوي الرحم إلى صور جميلة من التواصل والتوادّ والتآلف، تتغير عادة الانفعال وعدم ضبط النفس إلى سكينة وحلم وأناة، نتخذ مما عظّم الله سببا ليعظم قدْرنا عنده جلّ جلاله.
عبد الله عند كل فرصة تسنح للتشفي من أحد ما لنتذكر قول حبيبنا عليه الصلاة والسلام: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَسَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ أَلَا لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ} البخاري.
فلنتخذ عباد الله من هذا الشهر فرصة لنجرب سلوكا مملوءا حبا
ولطفا وصلة لمن كان بيننا وبينهم شيئا في النفس فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا
ما بأنفسهم، ولا شيء يجلب رضا الله وقبوله ورحمته وفضله كقلب سليم ومشاعر طيبة تجاه
الآخرين وبالأخص من كانوا من الدرجة الأولى في النسب لك أو لزوجك أو لذريتك. لنفتح
صفحات جديدة مشرقة فرمضان على الأبواب وهو لأهل القلوب المشرقة فقط.
تعليقات
إرسال تعليق