خطبة الجمعة 4 /6 /1443 اصطفاك الله واختارك فاثبت ولا تفرط في اصطفاء الله لك
الحمد لله رب العالمين الملك البر الرحيم، غافر الذنب واسع الفضل شديد العقاب ذي الطول، أشهد ان لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وإمام أنبيائه ورسله سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
فاتقوا الله بتعظيم أمره ونهيه واتقوه بتجنب أسباب سخطه وغضبه واتقوه بالسعي لكسب رضاه وللحاق بعباده المصطفين الأخيار، يقول الله تعالى "أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" عباد الله إن الله تعالى يختار ما يشاء ويقضي بما شاء ويصطفي من يشاء جلّ جلاله، والله تعالى يقول "ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ"
فما دام هذا القرآن العظيم بين يديك فأنت من اصطفاهم الله، وبعملك تحفظ الاصطفاء أو تضيّعه. في هذه الحياة الدنيا نعيش كأشجار في مهب ريح عظيمة، وبحسب قوة الجذور تكن قوة المواجهة لهذه الرياح العاتية، في هذه الحياة فتنٌ تهب حينا وتخبو أحيانا، وإذا قويت رياح الفتن تباين الناس في مواجهتها ومقاومتها، هي تعصف لا مجال للاختباء عنها ولا تغير نمط سيرها لأجل فلان أو لمكان، إذا هبّت الريح قوية طار في زخمها كل هشّ ضعيف ولو حسن مظهره، وقاومها كل قوي الأساس ثابت الجذور، وكل شجرة يكن ثمرها بحسب قوة ورسوخ جذورها، فما ضعفت جذروه كثر ضرره وسهل على الريح اقتلاعه وإراحة الخلق منه.
والشجر الراسخ لن يتمكن من مقاومة تلك الرياح لوحده، بل لابد من مساندة ودعم وكل شيء بحسبه. من الناس من أضعف نفسه لقلة أخذه من هذا الميراث، ومنهم كمن يكتفي في القوت بما يبقيه على قيد الحياة، ومنهم سابق يثبّت نفسه في هذه المواجهة بأدوات الحماية والمساندة المناسبة، وكلٌ على نفسه بصيرة. وعلى من أراد الثبات حتى تنتهي العاصفة التي لا تطول عادة، الحفاظ على اصطفاء الله له وذلك بالعناية بما اصطفاه الله من قول وعمل.
هذا القرآن هو الميراث الذي وهبه الله تعالى لمن اصطفاهم، فمن حافظ على هذا الوِرث المُهدى إيمانا وتلاوة وعملا فهو محسن لنفسه وداعم لها في مواجهة من يريد إبعاده عن ربه، ومن اصطفى من القول ما اصطفاه الله فلا خوف عليه بإذن ربه، عَنْ أَبِي ذَرٍّt، أَنَّ رَسُولَ اللهِ e سُئِلَ أَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَا اصْطَفَى اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ أَوْ لِعِبَادِهِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ" مسلم. ولا يسع المقام لذكر ما ورد في الحث على الأذكار المختلفة من تهليل وتحميد وتكبير وتسبيح، كلها سبب للحفاظ على اصطفاء الله واختياره، الأذكار المختلفة يغفل كثير عنها خصوصا في الأوقات التي فُضّلت فيها، كما بعد الصلوات المفروضة وكما بين الأذان والإقامة لصلاتي المغرب والفجر، وكما فيما بعد صلاة الفجر، وفي أيام الأعياد والعشر، فإن هذه الأذكار أولى بالترديد من تلاوة القرآن الكريم في هذه الأوقات، ذلك لأن الله جعلها علامة شكر وسبب للثبات. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ e: إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ فَأَنْبِئْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، فَقَالَ: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» وفي مواجهة الفتن يقول الله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" ومواجهة العدو عسكريا لا تقل عن مواجهة فتنه من شهوات وشبهات. حمدا لله فضله واختياره ونسأله الثبات حتى اللقاء به
الحمد لله العزيز الحكيم والصلاة والسلام على خير المرسلين وسيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله
فيقول الله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ"
ذكر الله هو ما يتم في هذا الاجتماع من تلاوة وتسبيح ودعاء واستماع لتذكير وصلاة، من بكّر أخذ بحظ وافر، ومن جعل لنفسه حظا من وقته في يومه أو ليله فأخذ من هذا الورث المهدى له من ربه فقد سابق وسبق فهنيئا له. يقول الله تعالى "يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ"
اعلم رعاك الله أن الله اختارك واصطفاك، فحافظ على اختيار الله، ووهبك قولا ثابتا يعينك على الثبات فحافظ على الأذكار صبحا ومساء، وفي كل وقت جعلت هي فيه الأولى تكن عابد شاكرا، وتزود ما يثبتك في هذه الطرق الزلقة المتشابهة بما عرفت من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، واحذر الشبه والفتاوى المستنكرة فمنذ القرن الثاني للهجرة النبوية والكذب على الله ورسوله آخذ بالانتشار، فتثبت من كل ما يصلك قبل أن تعمل به أو تنقله. اقرأ من القرآن، حافظ على الأذكار، اعتن بالصلاة وأنفق مما تيسر، ولازم الدعاء لك ولمن تحب، تكن حققت أسباب الثبات على دين الله وتكن من المصطفين الأخيار وتفز بمرتبة الأولياء السابقين المقربين الذين هم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين.
كلما أصبحت وكلما أمسيت تذكر نعمة الله عليك بأنك من المصطفين فحافظ على هذا
الاختيار فإن نبيك الحبيب عليه الصلاة والسلام كان يخاف على نفسه فيكثر من قول
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، فحافظ وسابق لتصل وتسبق، وإن من أعظم
الأذكار ما رغب الله تعالى العباد فيه بالإخبار بأنه هو جلّ جلاله وملائكته الكرام
يفعلونه يقول سبحانه " إِنَّ اللَّهَ
وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" وكلما صليت على نبي الله وخليله صلى
الله عليك عشرا ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام عليك، وما أسعدك إذ صلى
الله عليك
تعليقات
إرسال تعليق