خطبة الجمعة ( كان هذا الفتى أعقل مني ) العلم وأهميته 18 / 6 / 1443

 الحمد لله المبدئ المعيد الفعال لما يريد أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبدالله عبد الله ورسوله بعثه معلما ومربيا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله 

فيناديكم الله بقوله "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ" 

عباد الله وبفضل الله ورحمته ها قد بدأت تباشير عودة الحياة لطبيعتها بعد أن أفسدت الجائحة كثيرا من جمالها، وأهم ذلك التواصل الاجتماعي المباشر، وباكتمال العودة للمدرسة حضوريا يتبين لنا أثر الصغار في صناعة الحياة وأثر المدارس في تنظيم وبثّ الحياة في المجتمع، ولئن لمسنا أثر المدرسة لمّا فقدنا الانتظام في فصولها فإن دور الأسرة قد تجلى بوضوح وأنها هي المحرك الرئيس ولا غنى للمدرسة عن الأسرة، فهي المتحكم وهي التي تزرع قيم مقاومة الانحراف الذي قد يتعرضون لأسبابه.

 في ظل هذه الجائحة وما واكبها من أحداث تبين للجميع أهمية العلم بمختلف مجالاته ومدى الفقر المعرفي في العلوم الشرعية العقدية والفقهية بالرغم من المرور بها في المدارس، وكذلك فقر عظيم فيما يخص علم التفكير الذي هو ركيزة شرعية حيث يفترض أن يفتح الآفاق وأن يقطع الطريق على كل كاذب ومزوّر وأن يُخمد كل إشاعة كاذبة، وكذلك علوم التقنية التي نتعامل بها ونجهل كثيرا من أدواتها.

إن في خروج نشء متقن للتقنية قادر على التفكير والنقاش عارف بأحكام دينه منضبط بقيم مجتمعه، لهو أهم سبب في قرة العين بصلاحهم وبوطن آمن مزدهر. 

عباد الله لما ضعفت الثقة في العلوم والقيم القائمة وجُهلت حيل التقنية، صارت التقنية وبالا على كثير حيث تبلد تفكيرهم وساءت عبادتهم وتوقفت آمالهم مستسلمين للهو ولليأس وللإشاعات الباطلة وللخرافات الجاهلية. نحتاج عباد الله لتكاتف الجهود بين أفراد المجتمع وهيئاته، ونحتاج لانتقاء المعلومة من مصادرها ولمراجعة كل معلومة جديدة قبل تناقلها والعمل بها، ونحتاج التعليم والتربية والتعويد على ذلك حتى تكون سلوكا يُسار عليه من قبل الجميع، نحتاج لغرس قيم الجِدّ والحرص على التحصيل العلمي فليس ثمة مستقبل يُرجى إلا بالعلم ولا علم إلا بجد وحرص فهذه سنة الله في خلقه.

كان هذا الفتى أعقل مني! 

هذا اعتراف متأخر من صديق لابن عباس y، يقول ابن عباس: لما قبض رسول الله e قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله e فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجباً لك يا ابن عباس، أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله eمن فيهم، قال: فتركت ذاك وأقبلت أسألهم، وإن كان يبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه يسفي الريح علي من التراب فيخرج فيراني! فيقول: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك؟ هلا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك. فأسأله عن الحديث-على علو نسبه وقدره يذهب لمن علم أن عنده علما وينتظره حتى يخرج لم يدع نسبه ولا راحته يصرفانه عن التعلم وعن احترام المعلم- قال: فعاش هذا الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي، فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني" 

فلعلك أُخيّ ولعلك بُنيّ ألا تعترف كما اعترف هذا الصحابي الذي رأى محدودية الفرص آنذاك، وكما اعترفنا واعترف كثير لما فاتت الفرص، فهي كثيرة اليوم ومتيسرة لك وإن رأيت أهلها كثر، فالميدان يسع الجميع، ولن تُحرم خيرا تستعين بالله عليه، ولن تُحرم فائدة ممن تحترمهم فاستعن بالله ولا تعجزن ولا تتخذ من أفعال آخرين حجة للإهمال فأنت الخاسر الوحيد إن استسلمت. 

الحمد لله العلي العظيم العليم الحكيم والصلاة والسلام على النبي الكريم المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه 

وبعد فيا لشدة التوتر في الأسبوع الماضي بسبب هذا البرد الذي نزل اليوم! لم يكن توترا بسبب الجهل بالبرد وإنما بسبب المرجفين الذين روعوا الناس وأوهموهم بما لم يمرّ على آبائهم وأجدادهم، بل وبما لم يمر عليهم العام الماضي القريب، 

بلينا ببعض المنتسبين لعلم المناخ، يبحثون عن الشهرة والإثارة، وبلينا بمن يتلقى بجهل ويساهم في نشر ذلك الإرجاف، نعم بردٌ شديد اليوم، ولكنه بردٌ معتاد ومتأخر عن المعتاد وكان المفترض أن عامة أيام الشتاء تكون مثله، وهو أكثر دفأ مما قالوا، 

ولكنه الإرجاف والشائعات المتناقلة للإثارة ولادعاء المعرفة، وكسب المتابعين. إن تلك الرسائل وذلك التعامل معها والتوتر الناشئ بسببها حتى أن بعضهم سافر جنوبا وبعض ترك صلاة الفجر وبعض اعتذر عن مناسبات، كل هذا يكشف لتعليم يزيد الصلة بالله ويرفع مستوى الثقة في النفس ويعرض الأفكار المنقولة للمصادر الموثوقة. 

أيها الأب العظيم وأيها المعلم القدير هذا النشء بين أيديكم وأنتم مؤتمنون عليه لا تتركوهم لكسلهم وخمولهم ولا تستسلموا لإعراضهم وسلبيتهم، أد أمانتك قبل ان تقول كما قال الصادقون كان ذاك الأب وكان ذاك المعلم أعقل مني لما رأى ثمار الصدق والجدّ في التربية والتعليم، فكم من نبي أعرض عنه قومه وحاربوه فلم يستسلم. 

أخي المعلم إن صدقت في أداء رسالتك فاعلم أنك دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام وأنك رحمة الله وهبت لمن تُعلّمهم، فاحمد الله واثبت في أداء رسالتك واستعن بالله فعند الصباح يحمد القوم السُرى. 

عباد الله هذا فيروس كورونا يعود نشيطا وأبناؤنا وبناتنا سيعودون لمدارسهم، ولعودتهم سالمين ولكبح جماح هذا الفيروس علينا بالتقيد بالإجراءات الاحترازية ومتابعة التقيد بها، نتقيد في المدارس وفي المساجد وفي كل مكان عام حتى يأذن الله بالفرج، والفرج يحتاج لجدّ وحرص من الجميع.

 نحتاج لتكاتف الجهود في تعليم الأحكام الشرعية والتربية على القيم الحميدة ولنشر علم التفكير وللتعويد على مراجعة الأخبار والتثبت منها ونحتاج للتواصي بالجدّ والحرص في التحصيل العلمي وللتواصي باستغلال الفرص ونحتاج لنشر التفاؤل فسنة الله أن لا علم بدون حرص وجدّ، ولا ازدهار ونماء لوطن نشئه لا يعرف أحكام دينه ولا يتقيد بقيم مجتمعه ولا يتعلم ما ينفعه. عباد الله حبيبكم محمد بن عبد الله يتمنى رؤيتكم وينتظر سلامكم ليرده عليكم وربكم يصلي عليكم عشرا كلما صليتم على نبيه وخليله محمد فهنيئا لمن صلى الله عليه ولمن رد السلام عليه نبيه وحبيبه 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل