خطبة الجمعة 11 / 6 /1443 كبار السن حقوق وواجبات
الحمد لله العزيز الحكيم، العليّ العظيم، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله ما استطعتم يحبكم ربكم ويكن سبحانه معكم في كل شأنكم يقول الله تعالى "وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ" ويقول سبحانه "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ" فإن أحبك الله وكان معك فمما تخاف؟ وعلى أي شيء تتحسر؟ فهنيئا لمن اتقى وحاز الرضى.
عباد الله لما خلق الله تعالى الخلق قضى لنفسه بالكمال المطلق والغنى المطلق وقضى على الخلق بالنقص فلا أحد من الخلق يستغني عن غيره "أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ"
عباد الله يقول سبحانه "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ" ضعف يصاحب ابن آدم منذ ولادته، يفارقه فترة من الزمن ثم لا يلبث أن يعود إليه، وفي كل مراحل حياته هو لا يستغني عمن يخدمه أو يعينه أو يدله ويرشده، وكلما اشتدت حاجته عظم حقه على مجتمعه. ولقد كرّم الله بني آدم وأوجب لهم على أسرهم وعلى مجتمعهم من الحقوق ما يناسب مراحل حياتهم ومستويات ضعفهم، حقوق هي أشبه ما تكون بسلسلة أعمال، تأتي ضعيفا فتُخدم، وتشتدُ فتَخدِم، وتضعفُ فتُخدَم، ثم ترحلُ وهكذا تكتمل السلسلة. يقول سبحانه وتعالى "وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ"
في هذه الآية إشارات، منها أن الإنسان كلما تقدم به العمر نما عقله ورقة مشاعره، وهنا تأتي أهم الحقوق والواجبات التي يحتاجها من أسرته ومن مجتمعه، ويَقْصِرُ كثيرٌ حق َكبار السن على الرعاية والاحترام فقط وينسى مبدأ المشاركة في الحياة، فإن مطلب تحقيق الذات لا يتوقف، وأشد المشاعر قسوة شعور الإنسان بأنه لم يعد قادرا أو أنه قد استُغني عنه.
جاء في الحديث عنه e قوله: «إِنَّ مِنْ
إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ
الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي
السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» وقوله عليه الصلاة والسلام: حينما سئل مَنْ خَيْرُ
النَّاسِ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ» لقد ساوى رسول الله
e في حق الاحترام والتقدير بين ثلاثة ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن
والسلطان المقسط، وذلك أنهم يعرفون بالطيبة والصدق والبساطة وعدم العنف والبطش فعظم
حقهم في الاحترام والتقدير، وبيّن عليه الصلاة والسلام أن الإنسان كلما تقدمت به
السن حاز الكثير من الخيرية والفضل، فوجب له حق هذه الخيرية وهذا الفضل، وطبعا لا
عبرة بالشواذ. ومن احترامهم تقديمهم في المجالس، والاستماع لأحاديثهم ولو مكررة، والاستماع
لرأيهم ولو لم يُعمل به، وإعطاؤهم فرصة المشاركة بالخدمة في المجالس الخاصة إشعارا
باستمرار الحاجة لهم وتنشيطا لهم، بخلاف المجالس العامة ففيها يجب المبالغة في
الاحترام خصوصا للوالدين، ومن حقوقهم الاهتمام باستمرار نشاطهم وذلك بتشجيعهم على
مزاولة نشاط رياضي مناسب كرياضة المشي المناسب ورياضة التنفس والتمدد ونحوها، ولا
تشجيع كالمشاركة فقد كانوا يشاركونك وأنت صغير كثير من اهتماماتك التي تشغلهم ولا
تناسبهم، ولكن حبك وأداء لحقك حينها كان دافعهم. وإلى هذا أشار جلّ وعلا في قوله
تعالى "وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا
إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ
أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا
وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ
الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا رَبُّكُمْ
أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ
لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا" فإن كنت صالحا وقد قصّرت يوما فتدارك ما دمت حيا، فربك للأوابين
غفورا.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا مبارك فيه كما يحبه ربنا ويرضاه، والصلاة والسلام على النبي الوفيّ سيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد عباد الله
ففي الصلة بكبار السن عموما تقع أخطاء تجرح مشاعرهم، ولأنهم تحملوا وأنت صغير فسيظلون يتحملون فانت في نظرهم لا زلت صغيرا وإن اعتمدوا عليك كثيرا،
مثلا يكون مصابا بمرض السكر فإذا اجتمعوا اشتهى تمرا أو شيئا من الحلوى التي يأكلون فيتنمرون عليه رافضين رغبته كأنما يقولون نحن أعرف منك بمصلحتك، مع أنهم يأكلون بين يديه لا يراعون مشاعره، فإما أعطوه ما لا يضره او ارفعوا الأكل مراعاة لمشاعره وصدقا في حبه،
وقريب من هذا حينما تستكثر عليه المعرفة والثقافة لأنه كبير سن ولا حاجة له، بينما ينقلون له ما غاب عنه من أخبار شر وسوء لأجل أن ينفسوا عن أنفسهم ولا يدركون أي مشاعر سوء ملئوا بها قلب صاحبهم فيهلكوه همّا وألما.
بالأخص الوالدة تريد أن تعطي لتحقق ذاتها، ولكن لفقد زوجها أو لأي سبب لم يعد لديها ما تنفق منه فأعطوها ولا تبخلوا عليها بحجة عدم حاجتها فهي لم تبخل عليكم حين عدم حاجتكم، وإن افسدت عطاياها خلقا لطفل أو عاملة فلتنبه بلطف لذلك.
يصاب البعض بضعف الذاكرة فيأتي البعض يسأله تعرفني؟ تعرف فلان؟ يقوله ضاحكا وهو يزيد في ألم صاحبه، جئتَ واصلا مسلما مؤديا الحق فلا تفسد عبادتك وصلتك بما لا حاجة لك به.
وفي المسجد لكبار السن حقوق يجب أن تراعى ولهم رغبات يجب ان تحقق قدر الإمكان ما داموا لم يفسدوا مصلحة أو يخرقوا نظاما، فالكل له حق العبادة في جو مناسب وفي مكان يشعره بقيمته.
عباد الله لئن كان من أفضل العمل سرور تدخله على مسلم فكيف بسرور تُدخله على والديك أو على من يحتاجه من أصحاب الفضل في مجتمعك، يحتاج كثير من كبار السن لرعاية ما فليعان على ذلك بما يزيده سرورا وقبولا.
يحتاج الكل كبير السن وأسرته لمعرفة الخدمات التي تقدمها الدولة مشكورة بدءا بجمعية وقار ومرورا بكافة قطاعات الدولة فكل قطاع ملزم بتقديم خدمات خاصة لكبار السن يجب التعرف عليها والاستفادة منها، منها: الخدمات الطبية ومنها خدمات تسهيل الإجراءات والوصول إلى المنزل والتثقيف والدعم المادي وكثير لا يسع المقام لعدّه فليراجع في المنصة الوطنية الالكترونية الموحدة، الكل يحتاج لتقدير واحترام يناسبه وصاحب الفضل لابد من إعطائه حقه الاعتباري في مجتمعه بزيارة أو اتصال يشعره بالقرب من مجتمعه وبمكانته في نفوسهم، وكل المشاعر المقدمة والأفعال الصادرة تجاه الآخرين هي دين لابد أن يُرد والسلسة لابد وأن تكتمل فأحسن البداية تحسن لك الخاتمة، واستفد من خبرات من سبقك تختصر مسافة تحقيق أهدافك، واعتنوا بنشاط وثقافة كباركم فهم أخياركم وأسباب نصركم ورغدكم فمن كان صالحا وقصّر يوما فإن الله للأوابين غفورا.
تعليقات
إرسال تعليق