خطبة الجمعة حول حديث "اشتكت النار إلى ربها" الجمعة 27 / 5 / 1443
الحمد لله الولي الحميد العزيز الحكيم، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، رحمته وسعت كل شيء، وكتبها سبحانه حقا عليه للمتقين من عباده،
أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه وحافظ على سنته إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد
عباد الله فاتقوا الله فإن للمتقين وعد عند ربهم برحمة واسعة "قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ"
رحمةٌ ينفرج معها كل همّ وتتفتح بها أبواب كل رزق وتحسن معها الحياة بكل صورها، كل ذلك حقا للمتقين. عباد الله ومن صور رحمة الله التي وسعت كل شيء رحمته سبحانه بمن يتعوذ منه كل الخلق، بل هو نفسه يتأذى من بعض ما فيه، إنها نار جهنم استغاثت فاستجاب الله له وشملها برحمته يقول عليه الصلاة والسلام: "اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ، نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهْوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ" متفق عليه
ولئن استعطفت النار ربها وسألته فاستجيب لها فإن غيرها أولى، ولئن استجاب الله تعالى للنار على عظمتها فلئن يستجيب لك وأنت المؤمن التقي الضعيف أولى، فاتق الله ولا تبخل على نفسك بالدعاء وسؤال الله رحمته وفضله ومغفرته والشكوى له سبحانه، واحذر الشكوى لكل أحد فإن الشكوى لمن لا يملك حلا هو من ابتذال المرء لكرامته فصن عن نفسك عمن لا يقدرها.
أذن الله تعالى لجهنم لما تأذت من تزاحم نوعي العذاب فيها حتى خشيت على نفسها بنفسين تخفف بهما عما تعانيه من ضغوط وآلام، وهما نفسان يبثان في الكون كله، والأرض لا تعدو أن تكون ذرة صغيرة من ذرات فضاء هذا الكون الفسيح ومع ذلك يكن لهما أثر في التغير المناخي للأرض، وبحكمة الله تعالى يتزامن نفس الزمهرير مع موسم الشتاء ونفس جهنم مع موسم الحر، فإذا خرج ذاك النفس قاومته رحمة الله بتسخير أسبابٍ مناسبة تقي الخلق شره، فيسخر الله تعالى حركة الرياح والسحب لتتوازن مع حركة الشمس والأرض ومع ذلك النَفَس، فيمر النَفَسُ البالغ القسوة بأقل ضرر، ولو أن ذلك النَفَس استهدف الأرضَ لوحدها لهلك كل من عليها، يقول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قَطَرَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا- وليس فقط الأرض- لأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ تَكُونُ طَعَامَهُ؟" ووقاية من هذا النفس الناري يقول عليه الصلاة والسلام: "إِذا اشْتَد الحَر فأَبْرِدوا بالصّلاة فإن شدة الحر من فَيْح جَهنم" لما علم عليه الصلاة والسلام أن النار نفسها لم تتحمل عذابها، وجّه بتوقي آثارها، وهو تنبيه لتوقي آثار أنفاسها في كل حين سواء في الصيف أو في الشتاء فهما نَفَسَان مزعجان ومتعبان إن لم يُتقيا، ونَفَسها في الشتاء يكون مميتا أو مدمرا لمن لم يتقه بالغذاء المناسب واللباس المناسب، فاتقوا الله في أنفسكم وفيمن حولكم بالوقاية وبتأمين أسباب الوقاية من شدة البرد. وللشباب خاصة ليس في تخفيف الملابس مظاهر قوة وعزيمة، بل العكس هو الأقرب فمن لم يتحمل ملابسه ومن لم يتحمل ما يتوهمه من نظرة الناس إليه! فكيف سيتحمل صعابا ستمر به؟ وفي اختيار الملابس المناسبة تبيان لدرجة الذوق والرقي. فأظهروا أذواقكم وقوا أنفسكم بردا إن تسرب لعظامكم فسيجعلكم تندمون دهرا على هذا التفريط. حفظنا الله من كل ما يغضبه ومن كل ما يؤذينا.
الحمد لله العزيز الحكيم الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين سيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله
وإن من الوقاية المأمور بها المسلم توقي أسباب المرض والضعف كافة ومن ذلك هذا الوباء الذي صار يتجدد ويتولد ويتكاثر، وإن مما قضى به الله تعالى هو أن ربط سننه الكونية والشرعية بالأسباب المناسبة، فلكل شيء سبب لحضوره وسبب لزواله والإنسان على نفسه بصيرة، نتوقى هذا الوباء بالاستغفار والتوبة وباتخاذ الإجراءات والتدابير التي هي أسباب لمقاومة هذا الوباء، فالكمامة والتباعد الجسدي وعدم المصافحة هي أسباب للوقاية، فلنلتزمها حقا علينا لأنفسنا ولمن حولنا.
عباد الله وإذا اشتد البرد طاب للمؤمن التقرب إلى ربه بإتمام الوضوء لكل صلاة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ e قَالَ: أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ إسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الخَطَا إِلَى المَسَاجِد وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُم الرِّبَاطُ. مسلم. اسباغ الوضوء يعني إعطاء كل عضو من أعضاء الجسد حقه من الماء حين الوضوء كاملا فلا تكن برودة الجو وبرودة الماء سببا للإخلال بالوضوء، وإن كان إسباغ الوضوء محمدة للعبد يثاب عليها ثوابا مضاعفا فإن الإخلال سبب للعقوبة البالغة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ e فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلَاةَ، صَلَاةَ العَصْرِ، وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» البخاري
عباد الله في الشتاء
نتذكر جهنم فنتعوذ بالله منها ونستحضر أنها ما دامت لم تتحمل ضغوطات ما فيها فلئن
تضعف أجسادنا عن تحملها من باب أولى، فلنتعوذ بالله منها ولنتجنب أسباب الوصول
إليها، ونتذكر في الشتاء ثواب إسباغ الوضوء وثواب الحضور للمساجد ما لم يكن ثمة
ضررا، ونتذكر وجوب وقاية أنفسنا خاصة من الأوبئة. ونتذكر رباً هذه سعة رحمته
فنتعلق به ونزداد قربا إليه وتفاؤلا برحماته في كل شؤوننا. عباد الله إن نبيكم
الحبيب محمدٌ صلى الله عليه وسلم ينتظر منكم الاستجابة لأمر ربكم بالصلاة والسلام
عليه دوما وبالأخص يوم الجمعة وبعد كل دعاء.
تعليقات
إرسال تعليق