لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض خطبة الجمعة 20 / حماد أول/1443
فيقول ربنا تبارك وتعالى "وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ"
اتقوا الله العليم العظيم عالم الغيب والشهادة فقد جعل سبحانه من التقوى سببا لنيل كل محبوب ووقاية من كل ما لا تحمد عقباه، وجعل القلب منبع التقوى وموطنها فلنتفقد القلوب كلما ضاقت بنا أمور. عباد الله سبق الحديث حول قول الله تعالى "وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" ومرّ بنا القول بأن المقصود هو التنبيه على الرسائل الإلهية في الأحداث النازلة، وعدم الانتباه لها علامة غفلة وقسوة قلب ونسيان للنفس وهو سبب لأن تكون العاقبة عقوبة ماحقة، ولأن الأحداث التي تنزل منها ما هو مؤلم ومنها ما ظاهره الألم وباطنه المتعة ومنها ما هو بعكس ذلك فيُرى أمرا جميلا ولكنه بلوى لأهله أو جميلا محببا محروم أهله منه، قال جلّ وعلا "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ"
فما هي البركة التي يتحدث الناس عنها كثيرا والتي وعد الله بها عباده المؤمنين المتقين؟
ما هي البركة التي ندعو بها في قولنا" السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؟
لم يقل سبحانه لو آمنوا واتقوا لأنزلنا عليهم مطرا أو أنبتنا الأرض، بل قال لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض.
إذن البركة أمرٌ خفي وشامل لا يُحسّ ولا يُمسّ.
البركة تعني النماء والزيادة والبقاء والاستقرار، فكل عمل تعمله تدرك ما فيه من بركة بقدر بقائه وبقدر ما يعود به من خير وبقدر نمائه لدى أهله، البركة عطاء إلهي لا يملكه أحد غير الله ولا يُكتسب بجهد ولا فكر وإنما بإيمان وتقى، أي بقلب نقي موقن بالله جلّ وعلا قلبٌ مؤمن بوعد الله ووعيده ولقائه ويدرك رسائل الله له فيما ينزل به ومن حوله. جاء في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَو يُلِمُّ"
فكل شيء يصحبه ما يفسده إلا أن يبارك الله ما وهب وأعطى فيسلب منه ما يفسده. وأن يُبارك لك في شيء يعني أن تكتمل متعتك به وتقر عينك به فتحظى بمشاعر جميلة معه وبعده تجعلك تعيده مرات ومرات، تشتري لزوجتك سوارا صناعيا رخيصا فتجد منها بهجة وفرحة تجعل يومك سعيدا مبهجا، أو تشتري لها سوارا ثمينا مكلفا فتقابلك ببرود وتذمر وانتقاص لذوقك مما يجعلك تعيسا متحسرا يومك ذاك. البركة هي عطاء شيء وسلب ما يصاحبه مما هو مفسد لمتعته.
البركة منحة من الله تعالى لعبده المؤمن التقي، فمنحك مالا بقدر ونزع من الزوجة سوء خلق، فيهب وينزع ما يفسد الهبة، وحياتك في بيتك ومع أسرتك مع زوجتك وولدك وحتى خادمك يكشف لك مقدار البركة التي وهبت لك أو حرمت منها! ويكشف لك لماذا بدّل الإسلام تهنئة الزوج بقول الجاهلية بالرفاء والبنين إلى التبريك على الاثنين. ينزل المطر فإما يُفسد ويدمر بقوة ما يصاحبه من ريح وبَرَد، أو يكون هنيئا مريئا لأن الله بارك فيه فسلب ريحا وبَرَدً يضر، أو يأتي هادئا غزيرا تعشقه النفوس، ولكن لا ينتفع به.
هداك الله لهذه الصلاة وأعانك عليها وتدرك قدر البركة التي فزت بها بقدر ما تشعر به من انسجام مع ما تذكره من آيات وأذكار وأدعية وما تشعر به من مشاعر تنهى عن الفحشاء والمنكر بعدها، وكلما قلّ هذا الشعور علمت مقدار ما فاتك من بركة.
وقس على هذا دخلك وحياتك
وكل شأنك، قس وظيفتك وهاتفك، اكتشف بنفسك قدر بركة المسجد والمصحف عليك. فإن تألمت
جراء أمر ما فتفقد إيمانك وتقاك تجاه ما نزل بك وآلمك وتفكر فيما أراد الله به لك.
جعلنا الله متقين مباركين أينما كنّا
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد فقد يقول قائل هذا فاسق أو كافر ولديه أسرة تقر عينه بها ولديه نعم تنمو ويتمتع بها، فهل هو مبارك له؟ فنقول نعم مبارك له فيه لأجل ما في قلبه من خير فيكون ثوابه في دنياه فقط لأنه فاقد للإيمان. "مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا () وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا () كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ () مَحْظُورًا انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا"
والإرادة تنبع من صدق القلب وطهارته.
لا تغبط أحدا على منصب ولا على كثرة مال وولد، وإنما على راح بال ومسابقة للآخرة وخير يبقى ويعقبه خير منه.
عن أَبِي سَعِيدٍ الْخدْرِيِّt، أَنَّ النَّبِيَّ e جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ فَسَكَتَ النَّبِيُّ e فَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ قَالَ فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ، فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ؛ فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَو يُلِمُّ، وَإِنَّ هذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ، وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. متفق عليه.
نتداول كثيرا كلمة فلان محلل راتبه لما نراه من حسن توظيف لدخله وراحة قلب يتمتع بها فكان ماله نعم الصاحب له، والعكس بالعكس، من أخذ مالا بغير حقه كان المال أقبح صاحب يصحبه وعوقب بفقد الإحساس بما لديه وطار ما يحب من بين يديه إضافة لما ينتظره في الآخرة "وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا"
وإن مما يجب الحذر منه هو المال العام، مال الدولة الذي خصص للنفع العام فإنه حق للمسلمين عامة وكلهم سيطالب بحقه يوم القيامة. واجب رعاية المال العام وعدم الاعتداء عليه بأي شكل من الأشكال ومن رعايته التبليغ عمن يعبث به أيا كان سواء بلغت المدير الأعلى منك او تبلغ نزاهة فتبرأ ذمتك. عبد الله كلما فقدت متعة بنعمة فتفقد إيمانك وتقاك فيها، واعلم أن تجديد الإيمان والتقى وإدراك رسائل الله لك فيما حدث، يجدد لك قرة العين بما لديك ويجلب لك كثيرا ما فات غيرك، حفظنا الله وكفانا بحلاله عن حرامه وأغنانا بفضله عمن سواه وبارك لنا في أوقاتنا، وأقواتنا، وأزواجنا وأولادنا وكل شؤوننا، وأحوالنا.
تعليقات
إرسال تعليق