صلاة الجماعة والوقاية من الجائحة كورونا (كوفيد19)

الحمد لله خلق فسوى وقدر فهدى أحب عباده المؤمنين فشرع لهم ما يصلهم به في كل حين لتطهر أرواحهم ولتسمو أنفسهم، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه جُعلت قرة عينه في صلته بربه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه واهتدى بهداه إلى يوم الدين وبعد عباد الله فاتقوا الله فإن للمتقين حظوة بالغة عند ربهم يقول تبارك وتعالى

" هَٰذَا ذِكۡرٞۚ وَإِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ لَحُسۡنَ مَ‍َٔابٖ جَنَّٰتِ عَدۡنٖ مُّفَتَّحَةٗ لَّهُمُ ٱلۡأَبۡوَٰبُ مُتَّكِ‍ِٔينَ فِيهَا يَدۡعُونَ فِيهَا بِفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ وَشَرَابٖ وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ أَتۡرَابٌ هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ إِنَّ هَٰذَا لَرِزۡقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ"

جعلنا الله من المتقين وألحقنا بسيد المتقين في عليين. عباد الله كلنا يدرك غنى الله وكمال ملكه وقدرته وعزته بغض النظر عمن أطاعه أو عصاه، وكلنا يعرف قول الله تعالى في الحديث القدسي عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ، إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ، إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» مسلم.

ربٌ غنيٌ كريمٌ يتودد لعباده بالنعم وبالعفو عن الزلل وبالتكليف بيسير العمل وبتعظيم ثواب ذلك اليسير ليغدو كأنه عمل عظيم استغرق الوقت والجهد كله، عباد الله هذا الرب الرحيم فرض علينا هذه الصلوات الخمس وأوجب أداؤها حيث ينادى بها، لا تخفى على مسلم قصة الأعمى عَمْرِو بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ شَاسِعُ الدَّارِ، وَلِي قَائِدٌ لَا يُلَائِمُنِي فَهَلْ لِي رُخْصَةٌ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي؟، قَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «لَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً» أحمد وأبو داود وابن حبان والبيهقي وصححه الألباني وجمع من المحققين. لم يرخص له لأنه يعلم قوته وصحته ونباهته، فلا رخصة في التخلف عن صلاة الجماعة لمن لم يأذن الله له بالتخلف وهو المريض والعاجز والخائف ومن في حكمهم، لأجل صلاة الجماعة فكر النبي e في مهاجمة المتخلفين عنها وإحراق بيوتهم عليهم بسبب تخلفهم المتعمد ولم يمنعه إلا وجود النساء والأطفال. صلاة الجماعة عبادة عظيمة عظّمها الله تعالى ولأجلها فهو سبحانه يُعظم قدر الخارج من منزله لصلاة الجماعة، ينظره ويبش له ويضاعف الأجر له بدء من وضوئه وخطواته للمسجد ودخوله إليه وانتظاره إقامة الصلاة، فيكون في ذلك كله في صلاة والملائكة تستغفر له وتدعو له، وإذا صلى وانصرف انصرف راشدا محمّلا برحمات وفضائل من الله تعالى علمها أم لم يعلمها، ولكنها لحقته وسيجدها يوما ما فتسره سرورا عظيما. هذا الفضل عباد الله يقابله والعياذ بالله سخط ومقت لمن رفض واعترض أو عجز وتكاسل، سخط ومقت يشمل الدنيا والآخرة، ولن تنفع المتخلف شُبهٌ وفتاوى تصدر من هنا أو هناك يوهم نفسه بها وهو قد علم أمر الله تعالى بصلاة الجماعة حتى للمقاتلين أثناء الحرب يوهم نفسه بتلك الفتاوى وقد علم وعد الله للمصلين جماعة، وقد علم بالغ تأكيد النبي e عليها حتى في أحلك الظروف، فلنعتن بهذه الصلاة ولنعتن بأحبتنا من المصلين فنعينهم على هذه الصلاة. 

الحمد لله العلي العظيم غافر الذنب وقابل التوب عالم الغيب محصي الخلق والعمل ومحاسب كل بما عمل والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله سيد الأولين والآخرين وإمام المتقين وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فصلاة الجماعة واجبة ولا عذر في التخلف عنها إلا لمن عذره الله تعالى وهم مبينون في كتب الفقه. وإن التفريط فيها مع القدرة سبب للحسرة والندامة، وهو جناية من العبد على نفسه. ومن الجناية على النفس وتحميلها الوزر هو التسبب في تخلف البعض عن صلاة الجماعة، وذلك بالتفريط في اتخاذ الإجراءات الاحترازية ضد هذه الجائحة حين الحضور لصلاة الجماعة، فمن كان واثقا في قدرته على التغلب على الوباء فعليه أن يحسب حساب آخرين يخشونه ولا يثقون في قدراتهم ويرغبون أن يحضروا للصلاة. يلاحظ أن البعض قد بدأ بالتهاون في التباعد داخل المسجد لشعور خاص به هو، وقد يرى غيره موسوسا يحمّل نفسه ما لا حاجة له به، إلا أنه بتركه للتباعد يزرع القلق في نفس الحريص الملتزم بالوقاية فإما يصلي بلا حضور قلب أو يترك صلاة الجماعة ويصلي في بيته، ووالله لقد باء المفرط بأوزار عدة، وزر مخالفة الأمر، ووزر الإضرار بالمصلين ووزر تشجيع المفرطين في صلاة الجماعة، وعجبا لذلك الذي طول عمره يصلي في صف متراص ولم يسلم في صلواته تلك من وسوسة وغفلة ونسيان فيجيء الآن يدّعي أن هذا التباعد هو سبب عدم الخشوع. ألا فاتقوا الله في أنفسكم وفي إخوانكم كونوا عونا لهم على الطاعة وعلى صلاة الجامعة خاصة، ولا يليق بمصلي أن يقارن المساجد والصلوات بأنشطة عامة لا تتطلب حضور قلب ولا تتنزل فيها رحمات ولا تقربها الملائكة ولا كبار السن والضعفاء فإن لكل مسلم حق في بيت الله أن يهيئ له للتعبد بأمن وراحة واطمئنان، وأن يُمكّن من التعرض لرحمات الله واكتسابها، والله خير حافظ وهو أرحم الراحمين. عباد الله لنعتن بصلاة الجماعة وسعنا ولنتذكر كمال قدرة الله وعظيم ملكه وغناه عن كل خلقه، ولنتذكر أن آخر ابتسامة للنبي e في هذه الدنيا كانت حينما أطل بوجهه الشريف على الناس فوجدهم يصلون جماعة، وكانت الصلاة هي وصيته الأخيرة لأمته، نتذكر ذلك علّنا ندرك مدى حاجتنا لهذه الصلاة جماعة، ومن أحب الله ونبيه فليرع هذه الصلاة ومساجدها وليعتن بتهيئة البيئة المناسبة للمصلين كما أمر الله تعالى وكما كان يفعل ذلك نبينا وحبيبنا محمد e.

ثم صلوا وسلموا على نبي أحبكم وتمنى رؤيتكم وسأل الله اللقاء بكم وجعل الله أحق الناس بشفاعته أكثرهم عليه صلاة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل