مسابقة لرضا الرحمن ولأعلى الجنان بحسن الخلق

 الحمد لله العزيز الحكيم، الجليل الكريم، الرحمن الرحيم، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وإمام أنبيائه ورسله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا. 

وبعد عباد الله فاتقوا الله فالتقوى وصية الله لأنبيائه ولسائر عباده، وهو جلّ جلاله يغفر للمتقين زلتهم ويعظم لهم أجرهم ويعلي منزلتهم لأنهم كسبوا حبه ورضاه عنهم بهذه التقوى، فاتقوا الله تفلحوا في الدنيا وفي الآخرة. 

يقول سبحانه وتعالى "إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٖ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ يَلۡبَسُونَ مِن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَقَٰبِلِينَ كَذَٰلِكَ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ يَدۡعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَٰكِهَةٍ ءَامِنِينَ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلۡمَوۡتَ إِلَّا ٱلۡمَوۡتَةَ ٱلۡأُولَىٰۖ وَوَقَىٰهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ فَإِنَّمَا يَسَّرۡنَٰهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ فَٱرۡتَقِبۡ إِنَّهُم مُّرۡتَقِبُونَ

عباد الله كل منّا يفرح حينما يتلقاه أخاه بابتسامة وترحاب يوحيان بصادق الحب والود، فمشاعر الحب هي غذاء الروح وهي قوام الصحة وإشراقة الحياة، ولذا كانت الابتسامة صدقة. 

وروح تحيا وجسد يشرق بترحاب من مثلنا، فكيف إذا كان هذا الترحاب من الخالق جلّ جلاله!! 

كيف بك إذا كسبت حب ورضا مولاك جلّ وعلا؟ 

ستكسب حب الخلق، وخير خيراتهم، وخيري الدنيا والآخرة؟ لأن خيرات الدنيا والآخرة قرينة بحب الله وبرضاه. 

ولقد دلّنا ربنا جلّ جلاله ونبيه المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى كيفية كسب ذلك، وبيّنا لنا أن الأمر جِدُ يسير قريب لمن ابتغاه، فهو لا يتطلب بعد الإيمان بالله وتجنب الشرك سوى خُلقٍ حسن نتعامل به مع الآخرين، يقول e: «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَى اللَّهِ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَى اللَّهِ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي الثَّرْثَارُونَ الْمُتَفَيْهِقُونَ الْمُتَشَدِّقُونَ». 

لم يفز بعظيم الحب كثير العمل وإنما حَسن الخلق المعتني بحُسن الخلق، فحُسن الخلق هو أثقل عمل في الميزان وبه يدرك صاحبه منازل قائم الليل صائم النهار، يقول e: أَكْمَلُ النَّاسِ إِيمَانًا أَحَاسِنُهُمْ أَخْلاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَألَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَألَفُ وَلَا يُؤْلَفُ" لقد وصف النبي عليه الصلاة والسلام ربه فقال: «إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا». ووصف الصحابة رضوان الله عليهم نبينا فقالوا: كانَ النبيُّ e أَشَدَّ حَياءً مِنَ العَذْراءِ في خِدْرِهَا، فَإِذا رَأَى شَيْئاً يَكْرَهُهُ عَرَفْناهُ في وَجْهِهِ.

فأبرز علامات حسن الخلق الحياء الذي يمنع من فاحش القول ويمنع من مجاراة السفهاء ويمنع من التطاول على الوالدين أو كبار الأسرة والوطن، حياء يجعل حسن الظن مقدم عنده والشر مستبعدا، لا يتدخل فيما لا يعنيه، ولا يعد نفسه مسئولا عن خلق الله، ولا ينقل شرا وصله، وإذا علم شرا يراد تواصل مع الجهات المعنية وكفّ عن نفسه الأذى،  ولأنه حيي فهو يعرف الحياء والكراهية في وجه الآخر فلا يضطره للتعبير عما كرهه بل يدرك ذلك فيعالجه ويصححه، يتغابى وليس بغبي فهو سمح سهل التعامل مع الآخرين وإن حسبوه ساذجا، كريم لا يمتنع عن نفع الآخرين ما استطاع لذلك سبيلا، فعنه e أنه قال: المُؤْمِنُ يَأْلَفُ وَيُؤْلَفُ وَلاَ خَيْرَ فِيمَنْ لاَ يَأْلَفُ وَلاَ يُؤْلَفُ وَخَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ. وأولى الناس بالنفع أقربهم منزلة. وأصدق منفعة تُقدم خلق حسن قولا وابتسامة وتجاوزا، ورحمةٌ وودٌ يبذلان لكسب السكينة في النفس وفي البيت ومع من نخالط. وخير الناس خيرهم لأهله ولا خير فيمن حُرِم أهله خيره. وبالخلق يُمدح الناس أو يذمون "وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ

الحمد لله العلي العظيم الغني الكريم البر الرحيم والصلاة والسلام على من كان خلقه القرآن وأحبه من خالطه ومن سمع أو قرأ عنه بسبب حسن خلقه، نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين. وبعد عباد الله فيقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ"

الجنة تريد أهلها، وأهلها هم الأحسن خلقا، يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ فَمَا المُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: المُتَكَبِّرُونَ».

التحدث في كل مجال وادعاء المعرفة بكل شيء ثرثرة تبعد صاحبها عن الجنة، 

من يتحدث بأسلوب يُري به الناس في نفسه شيئا لا حقيقة له فهذا تشدق يبعد عن الجنة،

 المتكبرون ممنوعة عليهم الجنة، وأعظم صور التواضع خدمة النفس فلا يسأل الناس حتى قلما أو غرضا سقط منه، بل يتناوله بنفسه ليقينه بأن ذاك سببا لفوزه برضا ربه ولدخول جنات النعيم مع نبيه ومع والديه وأسرته. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل