وانتصفت عشر ذي الحجة 6 / 12 /1442
الحمد لله ذي العزة والجلال، المتوحد بصفات الكمال، مالك الملك ومدبر الأمر العزيز الحكيم، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وصفيه وسيد خلقه الشافع المشفّع البر الرحيم بأمته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.
وبعد عباد الله يا من أحببتم الله ورضيتموه ربا اعلموا أنه جلّ في علاه أحبكم ورضيكم عبادا له ما دمتم على سنة نبيه وملتزمين وصيته التي أكثر منها لكم، ألا وهي التقوى نتقي الله في خاص أنفسنا ونتقيه فيما بيننا وبين عباده، نلزم التقوى حتى تكثر الملائكة الكتبة من كتابتها لنا فنكون عند الله من المتقين، وهذا غاية المتنافسين وهي الفوز المبين، فمن اتقى الله وقاه الله وقرّبه ووهبه من كلما يجبره ويسره في الدنيا والآخرة.
عباد الله وها قد انتصفت الأيام المباركة عشر ذي الحجة! هي أيام خصّها الله تعالى بعظيم القدر، وأعظم سبحانه فيها القدر لكل من تقرب، ولأنها موسم ذو خصوصية عالية غالية وهي أيام قلائل والله خير الراحمين لا يكلف عبدا ما لا يطيق، فقد يسر لنا الطريق واختار أسهل الأسباب التي تُقرب أكثر، ألا وهو الذِكر،
ألفاظ يسيرة على اللسان عظيمة في الميزان يمكن أن نرددها في كل مكان عدا ما لا يليق الذكر فيه، فالزمن زمن توحيد وزمن صلة بالله تعالى وأهم ألفاظ الصلة التي يحبها الله تعالى قول لا إله إلا الله ويضاف معها التكبير والتحميد والتسبيح،
ألفاظ يحبها الله في زمن خصّه الله بحب العمل وتعظيمه، وسيفوز كل ذاكر معظّم بحب الله وبذكره وثنائه، ولكن للأسف فنحن أسرى!
نعم أسرى لدى عاداتنا التي تُسيّرنا ونحن نعلم خطأها وندرك خطورتها ومع ذلك نستسلم لها،
مرت خمسة أيام من الموسم العظيم أظن الكثير منا يستطيع أن يعد بأصابع يده مرات ذكره لله تعالى فيها بخلاف مرات فتح برامج التواصل الهاتفية، مما يدل على عظيم ما فات من فرص مع أننا نعلم أن الزمن لا يقف وأن العمر يتناقص وأن الفرص لا تعوّض.
"فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ"
" فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ"
ويقول e: "ما مِنْ أيَّامٍ العمَلُ الصَّالِحُ فيها أحبُّ إلى اللهِ مِن هذه الأيام" يعني أيامَ العشر، قالوا: يا رسُولَ الله، ولا الجهادُ في سبيلِ الله؟ قال: "ولا الجهادُ في سبيلِ الله، إلا رجلٌ خَرَجَ بنفسِه ومالِه فلم يَرْجِعْ من ذلك بشيءٍ"
وصايا ودعوات إلهية للعباد الذين أحبهم جلّ وعلا وأحبهم رسوله المصطفى فيفترض أنهم محبون لربهم يذكرونه ولا يغفلون عن ذكره.
عباد الله وفي الموسم العظيم يوم عظيم ويتلوه يوم أعظم منه ثم يوم عظيم آخر، يوم عرفة يوم اختاره الله تعالى ليقف فيه عباده موقفا عظيما يعلنون فيه توحيدهم وتمام خضوعهم وصدق إيمانهم وبالغ رجائهم فيباهي بهم وينزل عليهم من الرحمات ما يغيض الشيطان الرجيم، فلنشاركهم الوفادة والتقرب بصيام ذاك اليوم فقد قال eعن صيامه: أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ} مسلم. وإذا حلّ يوم عرفة ولعظمة تلك الأيام ولعظمة الذكر فيها فإنه أي الذكر يُقدم على أذكار الصلاة فإذا سلمت من صلاة فجر عرفة فابدأ التهليل والتكبير والتحميد قبل أذكار الصلاة وارفع صوتك بما لا يشوش على غيرك ولا تخفضه فلا يسمعه غيرك "قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُواْ ٱلرَّحۡمَٰنَۖ أَيّٗا مَّا تَدۡعُواْ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا وَٱبۡتَغِ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلٗا" وداوم على ذلك حتى نهاية أيام التشريق. كفّر الله عنا ما سلف من ذنوب وخطايا ووهبنا عملا صالحا يهيئنا للقائه جلّ وعلا وبارك لنا في القرآن والسنة وفي هذه الأيام وكل السنة وما بقي من أعمارنا وكافة شؤوننا، واستغفر الله
ثم بعد عرفة سيحل أعظم يوم في السنة على الإطلاق يوم النحر، ولعظيم مكانته فإنه يستفتح بصلاة العيد مع الاستمرار في التهليل والتكبير،
صلاة العيد حظيت بوصايا مؤكدة من النبي عليه الصلاة والسلام حتى رأى بعض العلماء وجوبها، فلا يكن للعادة حضورها فتأسرك فتحرمك من ذلك الفضل العظيم، ولا تكن الأضحية همّا يغلب عنايتك بنفسك وحرصك عليها في ذلك اليوم العظيم،
بادر لصلاة العيد واحرص على حضور أسرتك واعتن بحضور صغارك وكل مسلم تحت مسئوليتك فالرحمات المتنزلة على المصلين عظيمة ومؤثرة ولا يفرّط فيها عاقل، وقد كان عليه الصلاة والسلام بِراً بأمته يأمر حتى الصغار والحيّض من النساء بالخروج للصلاة.
ويتأكد يوم النحر التقرب بالأضحية فهي واجبة على كل بيت إلا من عذره الله لفقره، وقد كَانَ e يُضَحِّي بِكَبْشٍ أَقْرَنَ، كحِيلٍ يَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، وَيَأْكُلُ فِي سَوَادٍ، وَيَمْشِي فِي سَوَادٍ. وفي حديث آخر: «ضَحَّى رَسُولُ اللهِ e بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ»، وأذكّر بما استحبه كثير من علمائنا وهو إخراج الوصايا للجمعيات الموثوقة داخل المملكة وخارجها رحمة بأهل البيت وحفاظا على الثروة الحيوانية.
منّ الله علينا وعلى المسلمين بالإعانة والقبول في هذا الموسم العظيم، كرروا التهليل والتكبير عباد الله واجهروا به جهرا مناسبا تعلنون به توحيدكم وحبكم لربكم وتذكرون به إخوانكم فيقتدوا بكم فتفوزا بمثل أجرهم. ثم أكثروا عباد الله من الصلاة والسلام على حبيبكم محمد فقد أحبكم واشتاق لرؤيتكم ولكم بكل صلاة تصلونها عليه عشر صلوات من ربكم وتعلمون أن كل قول وعمل صالح في هذه العشر فهو مضاعف.
تعليقات
إرسال تعليق