خطبة الجمعة 29 / صفر / 1442 فضل وأهمية ذكر الله تعالى
الحمد لله ملكٌ عليٌ عظيمٌ غنيٌ كريمٌ ويحب عباده المؤمنين ويثني عليهم وينزل رحماته عليهم ويحلل رضاه عليهم ويذكرهم كلما ذكروه ويستجيب لهم كلما دعوه لأنه إله بر رحيم ودود
أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله عطّر ورطّب لسانه بذكر ربه فكان سيد الأولين والآخرين وصاحب المقام المحمود وجعل الله حقا عليه سبحانه أن يصلي على من صلى عليه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا
وبعد عباد الله فأوصيكم بوصية الله للأنبياء والمرسلين وللأولين والآخرين اتقوا الله وراقبوه وإن غفلتم فتوبوا إليه واستغفروه وكونوا على صلة به يصلكم برحمته وبفضله.
عباد الله ما أن يُمنح أحدنا خطاب شكر وثناء على شيء من جهوده حتى يطير فرحا بذلك الخطاب ويعلنه في كل محفل ممكن ويراه مصدر تباهي وفخر له حتى بين أولاده وأحفاده، بل ما أن يسمع أحدنا ثناء على خُلقٍ لديه أو عملٍ قدمه حتى ينتشي وتبرق أساريره فرحا بذلك، وتلك جِبلة بشرية لا يدّعي ضدها إلا مكابر محروم من حسن الخلق وطيب الثناء.
وإن من فضل الله تعالى وكرمه ورحمته وحبه لعباده أنه سبحانه وتعالى يبادلهم الذِكر إذا ذكروه ويثني عليهم أمام ملائكته ويتباهى بهم وهذا حظٌ ومغنمٌ حريٌ بالمؤمن أن يسعى لكسبه فهذا ذكرٌ وشكرٌ أحق أن يتباهى، قال تعالى {فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ} وفي الحديث يقول e: " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي، وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ "يَقُولُ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَمِدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} يَقُولُ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} يَقُولُ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي يَقُولُ الْعَبْدُ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ الْعَبْدُ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ "
وهذا تنبيه لشمولية ذكر الله لعبده كلما ذكره حتى في الصلاة وهو تنبيه على سرعة رد الله جلّ وعلا على الذاكرين،
وإنك باستشعارك لهذا لتبث في نفسك حماسة نحو ذكره سبحانه وتعالى، فالذاكرين هم أصحاب العقول الراجحة كما وصفهم الله تعالى {إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ}
أما المنافقين فوصفهم بقوله {إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا}
ولأهمية الذكر وعناية الله به وبصاحبه جعل سبحانه مواسم وأزمنة وأمكنة يجدد المسلمون فيها نشاطهم وهمتهم في ذكر الله تعالى ليبادلهم ذكرا وثناء، فرمضان والحج والجمعة والصلوات والمساجد مواطن تجديد الهمة في ذكر الله ومواطن غلبة ذكر الله على غيره من الأقوال،
كما أن الذكر سبب لتحقق احتياجات المسلم فمثلا من واجه عدوا وكربا {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ}
ومن سعى لرزق {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ}
ولقبول العمل الصالح {فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ } {فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ }
فذِكر الله أحب العمل عند الله وسبب مهم في رضا الله وفي تحقق كل مطلوب ومحبوب، وهو مصدر ذِكر الله وثنائه على عبده ليكون من الذاكرين الله كثيرا الذين أعدّ الله لهم مغفرة وأجرا عظيما. وهذا الذِكر والثناء الإلهي هو الخطاب الذي ينبغي الفرح والتباهي به جعلنا الله من الذاكرين له كثيرا الفائزين بالمغفرة والأجر العظيم، المغبوطين بذكره وثنائه علينا أمام ملائكته وأمام سائر خلقه يوم الحساب والجزاء.
الحمد لله ذي العزة والجلال {كُلَّ يَوْمٍ هُو في شَأْنٍ}؛ يغفِرُ ذَنْباً، ويَكْشِفُ كَرْباً، ويَرْفَعُ قَوْماً، ويَضَعُ آخَرينَ. والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله
تعليقات
إرسال تعليق