الجمعة 14 / ربيع أول / 1442 حماية الله لنبيه من شتم وسخرية أعدائه
الحمد لله العزيز الحكيم، كتب وقضى بالعزة له جلّ جلاله ولرسوله وللمؤمنين كما قضى سبحانه بالدفاع عمن اندرج تحت مسمى عباده وبكفايتهم وبرعايتهم بعينه التي لا تنام فقرت أعين عباده واطمأنوا فاعتنوا بأنفسهم وبما كلفوا به وأحسنوا العبادة له جلّ شأنه، أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمد بن عبدالله عبده ورسوله إمام الأنبياء والمرسلين والمتقين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين
وبعد عباد الله فيقول الله تعالى {بَلَىٰۚ مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ} ومن أحبه الله فمما يخاف؟ ومن ذا يروّعه؟ وكيف للحزن أن يخيم على قلبه؟ {يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأۡتِيَنَّكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} فاتقوا الله تأمنوا وتسعدوا في دنياكم وأخراكم.
عباد الله يقول الله تعالى {لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ} هنا تنبيه وتأكيد من الله جلّ في علاه بأن الأذى من الأعداء مستمر لن ينقطع وتأكيد على سبيل العاقبة الحميدة للدين وأهله.
إن الإسلام باختيار الله هو خير الأديان ونبيه خير الخلق أجمعين وأتباعه الصادقين هم خير الخلق في زمانهم وهم الذين تظهر كلماتهم الطيبة المشفقة الناصحة في أصعب المواقف وأشدها لا في الكتب ولا في حالات السلامة من الأذى فقط، والأحداث والمواقف هي التي تكشف القيم والأخلاق على حقيقتها.
قالوا إنهم رسموا رسومات تسخر من النبي e! فانزعج المسلمون وثارت ثائرة أقوام منهم! ولقد تعجب النبي e من أصحابه الذين انزعجوا من إساءات قريش له! حيث قال لأصحابه: أَلاَ تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ، يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا، وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا وَأَنَا مُحَمَّدٌ» البخاري.
كان مشركو قريش يسمون النبي مذمما ظنا منهم أنهم ينتقصونه ولأن محمداe يعرف نفسه ويثق فيما هو عليه لم يظهر الانزعاج بل وظّف هذا التصرف من قريش لمصلحة دينه، وهنا أنقل هذا التعجب هل يعقل أن مسلما يعرف صدق ما هو عليه يمكن أن يتصور أن يُساء ويُسخر من محمد بن عبد الله رسول الله ومصطفاه عليه صلوات الله وسلامه؟
إذا كان الشيطان لا يمكن أن يتصور في هيئته فغيره كذلك؟
إن كل من قرأ عن خِلقته عليه الصلاة والسلام وعرف صفته وهيئته وخُلقه وأدبه يدرك أن الله تعالى قد صرف تلك الرسومات عن نبيه فليست شبيهة لوصفه وليس فيها إشارة لمحمد ﷺ سوى قولهم، وقولهم يفترض ألا يعنينا بشيء كما لم تكن تلك الإساءات تعني للنبي eشيئا، اللهم إلا توظيف الحدث لمصلحة هذا الدين وأتباعه وتعظيم حماية الله لنبيه وصرف كل سب وشتم عنه.
لا يخفي الأوربيون ضيقهم من وجود المسلمين بينهم حيث أثّروا على الحياة الاجتماعية والتركيبة السكانية وليس ثمة سبب لاتخاذ حكوماتهم من إجراء مضاد للمسلمين سوى التسبب في إظهار المسلمين لأسوء ما لديهم من سلوك، فكانت الرسومات وكانت ردة الفعل سّارة لهم أكثر مما خططوا فجاءت أفعال هوجاء من قتل وفوضى ورسومات مضادة أشد قبحا، وبقي التضييق على المسلمين الذين ضاقت بهم السبل في بلادهم، إن في الرفق والتغاضي سلامة لا تعدلها سلامة، ولكن للأسف زعماء ودعاة الفتن يوقدون النار باسم الغيرة على الدين متاجرة به واستدراجا للعواطف الطيبة لمصلحة دنيئة شخصية أو حزبية ستتجلى يوما ما عسى ألا تكون بعد هلاك أنفس وضياع قيم وفساد مصالح من أقفل عقله فرأى في تلك المتاجرة نصحا من داعية الفتنة وتشفيا لغيظه من أعدائه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله ففرق بين أن تقاطع وبين أن تسيء فالإساءة عاقبتها وخيمة ومنهي عنها نهياً شديداً يقول تعالى {وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرۡجِعُهُمۡ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ}
لست معنياً بالدفاع عن الله ورسوله بقدر ما أنت معنيٌ بمنع أسباب الإساءة لهما، كما أن الدفاع والنصرة الحقة هما في السلوك الذي يجذب الناس لدين الله وليس في صد العالم واستعدائه على دينك وإخوانك.
لقد تكفل الله تعالى بهؤلاء المستهزئين ولم يكل المهمة لنبيه المستهزئ به ولا لك أيها المحب له بل تولاها جلّ جلاله بنفسه ، فقال سبحانه {فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ إِنَّا كَفَيۡنَٰكَ ٱلۡمُسۡتَهۡزِءِينَ ٱلَّذِينَ يَجۡعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدۡرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ} {لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ} لم نؤمر بمقابلة الإساءة بإساءة ولكن أمرنا بالعمل والصبر والتقوى فبهذا يكون جهد العدو وسعيه مجرد أذى لا يضر بل يتحول وبالا عليه {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابٗا مُّهِينٗا} فاثبت واعمل واصبر وترقب عاقبة فعلهم، والتاريخُ خير معلم.
وإن ما يصدر من الأعداء من سب وشتم وسخرية فإنما هو كشف لقبح أخلاقهم وسقط قيمهم ودناءة مشاعرهم، فهو إساءة لهم قبل غيرهم، فكن نبيهاً لبيباً كنبيك صلى الله عليه وسلم فوظّف الحدث لمصلحة دينك ترغيباً فيه وتنفيراً للمسلم من الإعجاب بأخلاق الكافرين، وأظهر إعجابك بقدرة الله على حماية نبيه وصرف سبهم وشتمهم عنه،
وإياك وألفاظ التحريش والتجييش لا تقلها ولا تنقلها،
وفكّر جيدا فيما تسمع وتقرأ، وما عاقبة هذا الإجراء وذاك،
وعوّد أولادك التفكير في كل ما يطرح عليهم،
وكفانا تغليبا للعاطفة المستثارة من قبل زعماء ودعاة الفتن وإسلام العقول لها،
وإن فيما حدث ويحدث كل يوم من أذى وكوارث للمسلمين بسبب غلبة العاطفة المشوّهة لعظة وعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد
{فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَأَدۡبَٰرَ ٱلسُّجُودِ وَٱسۡتَمِعۡ يَوۡمَ يُنَادِ ٱلۡمُنَادِ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ يَوۡمَ يَسۡمَعُونَ ٱلصَّيۡحَةَ بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُرُوجِ إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِۦ وَنُمِيتُ وَإِلَيۡنَا ٱلۡمَصِيرُ يَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلۡأَرۡضُ عَنۡهُمۡ سِرَاعٗاۚ ذَٰلِكَ حَشۡرٌ عَلَيۡنَا يَسِيرٞ نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِجَبَّارٖۖ فَذَكِّرۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ}
تعودوا التفكير والتأمل وعوّدوا عليهما وابدأوا بما سمعتم اليوم.
عباد الله أظهروا حبكم ونصرتكم لنبيكم بسلوك يشبه سلوكه وعبادة وفق ما علّم وبيّن وبكثرة صلاة وسلام عليه فهذا أمر الله تعالى لكم وهذا رجاؤه صلى الله عليه وسلم منكم وتذكروا كيف بكى عليه الصلاة والسلام شوقا لكم
تعليقات
إرسال تعليق