نعمة الوطن نعمة اجتماع الكلمة نعمة التوحيد ووحدة الصف
الحمد لله الولي الحميد الملك العليّ العظيم وصف نفسه المقدسة بسعة الرحمة وجعل الرحمة حقا عليه للمتقين من عباده أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
فاتقوا الله واعلموا أن التقوى هي سبيل الحصول على كل خير يخدم الإنسان وييسر حياته ويحفظ له كل شأنه، وكلما رأيت إنسانا سعيدا كثير الحمد والشكر لربه بعيدا عن التذمر والتشكي فاعلم أن للتقوى حضوراً في قلبه ولها أثرٌ في جوارحه والعكس بالعكس.
عباد الله الأخبار والقصص عن الحال القاسية التي عاشها أجدادنا من غلبة الفقر والمرض حتى اعتاد البعض أن يمضي على أهله اليوم واليومان لم يذوقوا طعاما، ليكثر بذلك الموت ولتختفي مظاهر الحياة الآمنة المطمئنة، فالسرقة وقطع الطريق سمة تلك العصور والجهل والخرافة والشرك قد عمّت الجزيرة ونجد كثرة الوصايا من الأجداد حول حجة الإسلام لعدم استطاعتهم الوصول على البيت الحرام، هي أخبار من يسمعها اليوم فإنه لتكذيبها أقرب، فمن عاش هذا النعيم لا يستوعب أن هذه البلاد قد مرّ عليها ما يراه في دول أخرى أو أشد.
يقول الله سبحانه وتعالى {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ}
تأمل الترتيب في هذا الوعد فلا رخاء بدون تمكين الدين ولا تمكين للدين بدون دولة تحكم متحدة الكلمة. جاء الله بالإمام الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله ليقود الناس لتحقيق أسباب نيل هذا الوعد، ولتكون تلك الأخبار والأوجاع ماضيا تتحدث عنه الأجيال،
ومن المعلوم أنك تعيش الآن وفق ما قدمته لنفسك قبل أعوام، والوطن يعيش وفق ما قدمه له أهله من قبل، فلا أحد يعيش وفق ما قرره أو عمله الآن لأن الثمرة لا تأتي إلا بعد فترة، فكيف قدم لنا أجدادنا وآباؤنا هذه النعمة التي ننعم بها،
أمن ورخاء وتوحيد يعلو وشرك منقطعة مظاهره وصلاة تقام ويُحضر لها بدون خوف ولا قلق،
لقد بنوا لنا هذا الوطن باجتماع الكلمة ووحدة الصف ونبذ الفرقة والسمع والطاعة والإنكار على المتذمر الساخط وعلى مبدأ الجسد الواحد،
لقد قدموا لنا هذا الوطن الذي نُحسد عليه وحافظوا على هذه النعمة بالامتثال لقول الله تعالى {ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ}
كانت تلك الأركان الثلاثة تعبيرا حقيقيا عما في قلوبهم من شكر لله تعالى ومن وحدة صف واجتماع كلمة وحب الخير للغير، تعبوا وهذه ثمرة تعبهم رحمهم الله، فأي ثمرة سنقدمها للجيل من بعدنا إذا لم نحافظ على ما استلمناه من أجدادنا وآبائنا؟ وكيف هي نظرة أبنائنا لنا وقد أضعنا نعما لا تحصى حيث لم نولها الرعاية المناسبة،
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (فَمَتَى تَرَكَ النَّاسُ بَعْضَ مَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ بِهِ وَقَعَتْ بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ وَإِذَا تَفَرَّقَ الْقَوْمُ فَسَدُوا وَهَلَكُوا وَإِذَا اجْتَمَعُوا صَلَحُوا وَمَلَكُوا؛ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةَ عَذَابٌ، وَجِمَاعُ ذَلِكَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ – وبعد ذكره للأدلة الشرعية قال - فَمِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ: الْأَمْرُ بالائتلاف وَالِاجْتِمَاعِ؛ وَالنَّهْيُ عَنْ الِاخْتِلَافِ وَالْفُرْقَةِ . أ هـ رحمه الله.
نعم الله علينا باجتماع الكلمة ووحدة الصف واجب شكرها وإحاطتها بالرعاية حتى لا تعود تلك الأخبار المؤلمة وحتى يستمر تمكين الدين وانتشار العلم وزيادة الرخاء، نرعى النعمة بالتواصي بالحق أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر في كل شؤون الحياة.
الحمد لله ذي العزة والجلال والشكر له سبحانه على سابغ فضله وآلائه والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله
وقف شاب ينتظر كيّ شماغه أو ثوبه ويتحدث مع ذلك العامل الآسيوي الذي لم يجد له في بلده موطئ قدم فضلا عن أن يجد عملا يقتات منه ويكوّن أسرته، يتحدث معه متذمرا من المعيشة هنا والعامل الذي فقد مقومات الحياة في بلده يتحدث عن بلده بكل فخر ويتباهى بتيسر أسباب العيش ووفرة الطعام مع أنه يدرك صعوبة استساغته لطعام أهله بعد عودته لبلده، ويتحدث عن سهولة بناء المسكن الذي لا يتعدى غرفة ببناء تقليدي لا يحمي من المطر، ليزداد ذلك الشاب المتذمر تذمرا ولم يكلف نفسه مناقشة ذلك العامل لما ترك بلده وجاء هنا لو كان صادقا، ولم يكلف نفسه التفكير بالمقارنة بين الحياة هنا وهناك وبين المسكن هنا وهناك بل لم يخجل من تذمره وتسخطه أمام تباهي تباهي ذاك ببلده مع البون الشاسع الذي لا يحتاج لتأمل، ولم يُعِد التفكير في نفسه كيف بلغت به الرفاهية أن لا يؤذي يديه بغسيل ملابسه ولا حتى ان يرضى بغسيل أهله لها، يترك كل ما هو فيه ويعلن تذمره من وطنه لأسباب تافهة لم يلق لها ذلك العامل بالا ولا يراها عيبا في وطنه.
إن التذمر سبب لكفران النعمة وسبب للحرمان منها وسبب لشقاء النفس بما هو بين يديها وسبب فساد الأوطان على أهلها.
إن أعظم القيم التي يجب الحديث عنها ويجب غرسها في النفوس غرسا ويجب التعويد على الفخر بها والاعتزاز بها هي قيمة وطن تمكنت فيه من عبادة ربك ومن اتباع سنة نبيك ولا مكره لك على ضدهما، وطن لا مظاهر للشرك فيه وطن اجتمع أهله على كلمة التوحيد وعلى السمع والطاعة في غير معصية الله، وطن ينعم برخاء لا تضره أزمات عابرة بحمد الله.
أو لا يكفي في هذه النعمة أنك تتعبد وفق سنة حبيبك محمد e وأنك تسير على هديه فكأنك نسخة منه؟ وأنك بهذه النعمة قد نلت أسباب الفوز برؤيته وبالورود عليه عند حوضه وبدخول الجنة بصحبته لذا احمد الله واعتز بما أنت فيه وأكثر من الصلاة والسلام على نبيك وحبيبك محمد فتلك نعمة أخرى من نعم الله التي لا تعد ولا تحصى.
تعليقات
إرسال تعليق