نحن وأولادنا والأجهزة الذكية خطبة الجمعة 17 / 12 / 1441

 

وبعد عباد الله فاتقوا الله واعلموا أننا ملاقوا ربنا فموقوفون ومحاسبون، ونتيجة المحاسبة هي من صنع أيدينا اليوم فاليوم يوم اختيار وعمل وغدا محاسبة { يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحٗا فَمُلَٰقِيهِ فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورٗا وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهۡرِهِۦ فَسَوۡفَ يَدۡعُواْ ثُبُورٗا وَيَصۡلَىٰ سَعِيرًا إِنَّهُۥ كَانَ فِيٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورًا إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ بَلَىٰٓۚ إِنَّ رَبَّهُۥ كَانَ بِهِۦ بَصِيرٗا }. 

عباد الله وإن مما هو بين أيدينا اليوم ومحاسبون عليه غدا، أولادنا أسرتنا كوّناها حُباً لها وأملا في المتعة بها ومعها، وأملا في امتداد حياتنا بعد موتنا بسببها، وهي مع ذلك مسئولية عظمى والمحاسبة عليها كبرى، أسرتنا بمثابة سفينة تمخر عباب البحر كل والد هو ربان سفينة أسرته، لا يضر الربان إن أتى سفينته ما يهزها ما دامت تعود سليمة راسية سارية نحو هدفها، ولكن الضر هو في خرقها في تكسّرها في انحرافها عن اتجاه سيرها وضياعها، 

ولقد دأب إبليس اللعين ومعه جنده عبر التاريخ، جند لا يكل ولا يمل ولا يثبت على وسيلة واحدة بل يتغير شخصا ووسيلة وأسلوبا لا تهمهم التضحيات مقابل الضحايا، دأبوا على ضرب السفينة سعيا لضياعها، وذلك من خلال مهاجمة الإنسان السوي في فكره وفي قيمه والتدرج بنقله من الممنوع إلى الممارسة من خلال تطفل لمشاهدة المحرم أو الاستماع إليه ثم تقبل لمشاهدته والاستماع له ثم تلذذ ثم ممارسة ثم نكسة للقيم السابقة وسخرية منها ومحاربة لها. 

يا رجل هذا المفكر الغربي كان قد كتب رواية تتحدث عما وقع الآن، هذه المجموعة الإعلامية الغربية كانت قد عرضت فلما يتحدث عن هذه الكارثة وعن تلك الحادثة وعن، وعن في عملية تسويق لأشخاص ولمجموعات إعلامية هم في الحقيقة مروجو الفساد الفكري والخلقي في أبشع صوره، فعملهم يقوم على نشرٍ للإلحاد وللشذوذ الجنسي وتحسينٌ للتمرد على كل فضيلة وعلى كل قيمة اجتماعية نبيلة، مستغلين في ذلك تلك الأجهزة الذكية، الهواتف المحمولة وتطبيقاتها المتنوعة وأجهزة الألعاب، هي نعمة لكنها لا تخلو من أذى كنسمة هواء لطيفة تدغدغ مشاعرنا بنسماتها المنعشة ولكن ما تحمله من تلوث يخالط النَفَس ويتلف أجهزته ويضر الجسد ويهلكه إن لم يتم التحرز منه. 

الأجهزة الذكية وتطبيقاتها المختلفة المتنوعة نعمة ولكنها تحمل فتنة بل فتن، لا يمكن الاستغناء عن هذه الأجهزة وتطبيقاتها كما لا يمكن الاستغناء عن نسمات الهواء مهما حملت، وأولادنا ذكروا وإناثا هم أمانتنا ويجب ألا نسمح لهذه الأجهزة بتفكيك أسرتنا ولا بتضييع أمانتنا، والمنع ليس حلا والمراقبة لن تفي غرضا، ولا حل في نظري كتقييد الاستخدام والمناقشة في ما تم لعبه أو مشاهدته مناقشة من يجهل ويريد التعلم لا مناقشة من يحاسب وينقد، وإن تطلب منك ذلك تنازلا عن بعض ما تراه معيبا، اجعلهم الآن يشعرون بالفخر لتفوقهم الموهوم فغدا يدركون حقيقة خوفك عليهم وتواضعك لهم، المهم ان أذنت به فعليك التأكد منه وتسخيره لهدفك النبيل مع أسرتك لا أن تتركه يقود هو اسرتك ويحرفك أنت وإياهم عن الجادة الموصلة للسلامة ويوصلكم على الحسرة والندامة. فمن خلال المشاركة والمناقشة تقود المشاهدة وتغرز الوازع وتصحح الفكر وتبقيك أنت مصدر المعلومة الموثوق ولا تنزع منك مكانتك ولا دورك بل وتحقق ألفة ترجوها. 

 

 وبعد عباد الله فإن الله سبحانه وتعالى إذ خلقنا فإنه لم يكلفنا ما لا طاقة لنا به ولم يعذرنا إن قصّرنا في أداء أمانتنا، وكل ما أذنّا لأولادنا به فهو مسئوليتنا، وكلٌ على نفسه بصيرة، فراقب فكر أسرتك ولن تراقب بغير المخالطة والمشاركة والمناقشة. ولن تسلم الأسرة مهما فعلت لها ما دامت مقادة بتلك الأجهزة فأوجد لهم متنفسا بتوفير ما يفترض أنه هواية لهم ولا تنتظر طلبهم ولا تبخل عليهم بوقت ولا بمال مع تجنب الإسراف في كل منهما أعني الوقت والمال، فالرسم والرياضة وتقريب للكتاب، وقراءة القصص المناسبة لعقولهم، ومشاهدة برنامجا حواريا حول ما يهمهم سواء تلك الأجهزة أو غيرها، متابعة برنامجا تدريبيا في النشاط الذهني والتفكير ونحوها، وتلخيصهم لما شاهدوا أو قرأوا، والخروج من المنزل لأي متنزه يبتعدوا فيه عن أجهزتهم ،الجلسات العائلية لساعة ونحوها، حلقات ذكر يتولاها الصغار وغير ذلك كثير كله بإذن الله يحفظ للأسرة كيانها وتآلفها، والدعاء في كل صلاة ومع كل رفع يدين بإذن الله كفيل بتيسير أسباب بقاء الود وحفظ الفكر وتأمين المستقبل. أكثروا عباد الله من ذكر الله ومن الدعاء ومن الصلاة والسلام على رسول الله فبهذا يُكسب حب الله ورضاه وفضله ومدده.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل