عشر ذي الحجة عشر الحب والمحبة 3 / 12 / 1441 خطبة الجمعة

الحمد لله الملك الولي الحميد أشهد ان لا إله إلا هو وحده لا شريك له وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فاتقوا الله وراقبوه واجعلوه أعظم الناظرين إليكم، إلى سركم وجهركم، 

عباد الله خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِeعَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «مَا يُجْلِسُكُمْ؟» قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَمَنَّ عَلَيْنَا بِهِ، قَالَ: «آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ؟» قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَلِكَ، قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ وَلَكِنْ جِبْرِيلُ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ». 

وجاء في الحديث عنه e قوله "إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ فُضُلًا عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ الله تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى بُغْيَتِكُمْ، فَيَجِيئُونَ فَيَحُفُّونَ بِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ اللهُ: أَيَّ شَيْءٍ تَرَكْتُمْ عِبَادِي يَصْنَعُونَ؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ يَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ وَيَذْكُرُونَكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ فَيَقُولُونَ: لَا. فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ لَكَانُوا لَكَ أَشَدَّ تَحْمِيدًا وَتَمْجِيدًا وَذِكْرًا. فَيَقُولُ: فَأَيَّ شَيْءٍ يَطْلُبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: يَطْلُبُونَ الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَا. فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا. قَالَ: فَيَقُولُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَتَعَوَّذُونَ؟ فَيَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ. فَيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لَا. قَالَ: فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا هَرَبًا وأشد منها خوفًا. قال فيقول: إني أشهدكم أني قد غفرت لهم. قال: فيقولون: فَإِنَّ فِيهِمْ فُلَانًا الْخَطَّاءَ لَمْ يُرِدْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. فَيَقُولُ: هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ". 

يا ترى لماذا تباهى الله جلّ جلاله بهم؟ لماذا غفر لمن حضر ولم يشاركهم؟ إنه الحب عباد الله فهل يتباهى إلا محبٌ بمحبوبه؟ وهل يعطي بهذا الرضا إلا محبٌ لمحبوبه؟ لقد أحبهم الله تعالى لِما وقر في قلوبهم ولتصديق جوارحهم لما في قلوبهم، والمحب إذا رضي أعطى بلا حساب! أو يحب الله تعالى؟

نعم فالله جلّ في علاه يقول {فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُ} وفي الحديث أنّ النَّبِيِّ eقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيَقُولُ جِبْرِيلُ لِأَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ رَبَّكُمْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ: وَيُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا فَمِثْلُ ذَلِكَ».

إن أجمل ما في هذه الحياة هو الحُب حيث تجلس مع محبوبك تشكي همّك وألمك ومرضك وتخوّفك فإما أن يواسيك أو يسليك أو يتوجع لك فما أن تقوم من عنده حتى تجد روحك غير الروح التي دخلت بها والأفكار السّارة تملأ رأسك والفرح والطموح يملأن قلبك وهمّتك قد ارتفع سقفها ثم تجد نفسك في حال أفضل مما أمّلت مع أنه لا يملك من أمره شيئا ولم يقدم لك حلا ولا مخرجا، 

فما بالك إن كان محبك هو الله؟ 

ومحبوبك هو الله؟ 

ومناجاتك مع الله؟ 

وهمّومك وآلامك مطروحة عند الله؟ 

الله الملك الذي بيده أمرك وأمر الناس جميعا والكون وما فيه فأنت مع الله وبعين الله يحفظك ويدافع عنك ويرعاك، أنت في نعمة عظمى إذ أحبك الله واجتباك واصطفاك وإذ يسّر لك سبيل الفوز بحبه فيكون معك كما سمعت. 

إن أحبك الله أحبتك الدنيا وما فيها ومن فيها وأتتك راغمة فصرت أنت الزاهد فيها. إن حُب الله نعمة ميسرة تحتاج منك فقط اتباع النبي محمد e {قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} 

وتحتاج الإقبال على الله أكثر في المواسم التي عظّم سبحانه، 

أحِبَ ما أحب الله يحبك الله، 

عظِّم ما عظّم الله يعظم الله قدرك، 

لقد أحب الله تعالى هذه الأيام العشر وباركها وبارك العمل فيها وبارك من عمل فيها، عملك اليوم غير عملك الأسبوع الماضي، جلوسك الآن ليس كجلوسك الأسبوع الماضي، أيام سريعة الترحل مضى ثلثها فدونك إياها أحبها واعمل فيها عملا صالحا بحب وتمتع مع هذا العمل، تمسك بها وأدرك حظك منها باغتنام لحظاتها بالتهليل والتكبير والتحميد فمع كل ذكر، الله يذكرك، ومع كل دعاء، الله بقربك، خذ من كل قول وعمل يحبه الله بنصيب ما استطعت لذلك سبيلا،

 أكثر من الدعاء فالدعاء عبادة محبوبة عند الله ومعظّمة عنده سبحانه يقبل عليك إن أقبلت عليها ويحبك إن لزمتها ويُعظم قدرك إن عظّمتها ويغضب إن تهاونت بها { وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ

وتذكّر "«إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا، فَقَدْ آذَانِي، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا فَإِنْ سَأَلَنِي عَبْدِي، أَعْطَيْتُهُ، وَإِنِ اسْتَعَاذَنِي، أَعَذْتُهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» كل ذلك لأنك أحببت الله فأحبك الله لدرجة أنه سبحانه يكره كل ما يسوئك ويضرك فأي نعيم أنت فيه؟ فأي نعيم أنت فيه إن أحبك الله؟ والله يحب المتبعين لنبيه المحافظين على ذكره. أحبك الله وحبّب إليك الإيمان وزينه في قلبك وجعلك من الراشدين وأعانك على ذكره وشكره وحسن عبادته واستغفر الله العظيم لي

الحمد لله العزيز الحكيم غافر الذنب وقابل التوب اللطيف الخبير والصلاة والسلام على النبي المجتبى الحبيب المصطفى محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه 

وبعد عباد الله هذه العشر المباركة عشر ذي الحجة عشر الحب والمحبة بين الله وعباده، فيها يتجلى الحب بكل صوره السامية ذكرا ومناجاة وعطاء، فيها أرواح تتجدد بحب خالقها وقربها منه وتفاؤلا برضاه وبعونه وبرعايته. 

عباد الله قريبا يحل يوم عرفة اليوم العظيم الذي من حب الله له أن جعل صيامه يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده وما أحوجك أيها الضعيف كثير الخطأ لما يساعدك على محو خطاياك وتطهير سجلك والكل لن يفوّت صيامه فلنجعل صغارنا في شوق لصيامه بحديثنا لهم عنه وعن فضله وعن حب الله له وحب الله لمن أحب العمل فيه ونرغبهم في صيامه فما أجمل اللجوء إلى الله أوقات الفراغ وأوقات الأزمات ولعل الله أن يفرّج عن الأمة بصغارها وضعافها،

 ثم يأتي يوم العيد يوم النحر أفضل الأيام عند الله نستفتحه بأحب الأعمال عند الله وهو الصلاة  استفتحوا بها يومكم ترضون ربكم لا تتهاونون بها خصوصا وقد حرمنا الوباء صلاة عيد الفطر. 

عباد الله يقول تعالى {فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا} أكثروا التهليل والتكبير والتحميد مجّدوا ربكم واذكروه يذكركم ويحبكم ويقرّبكم ويستجيب لكم وأكثروا من الدعاء لكم ولوالديكم اذكروهم وصِلهم بالدعاء في هذه الأيام الفاضلة في الصلاة وخارجها وأكثروا من الصلاة والسلام على حبيبكم محمد فقد أحبكم واشتاق لرؤيتكم ولكم بكل صلاة تصلونها عليه عشر صلوات من ربكم

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل