التعصب الرياضي فساد للرياضة وللقيم السامية
الحمد لله رب عالم الغيب والشهادة الولي الحميد أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خيرته من خلقه ومصطفاه وخاتم رسله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيقول ربنا جل وعلا ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ () وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ () لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ )) التقوى عباد الله
هي بناء حواجز تتقي بها غضب الله وعقابه، ومعلوم أنها ليست جدر خرسانية بل مشاعر قلبية حسّاسة مرهفة لا تتقبل المنكر من القول والعمل، لا تتقبل المحرم نظرة أو كلمة، لا تتقبل المحرم لا أكلا ولا شربا،
مشاعر قلبية تحرك الجسد نحو الهدف كلما فتر أو ضعف عن عبادة،
مشاعر قلبية يتمتع بها المؤمنون تميزهم عن غيرهم من بني جنسهم تميزهم في مظهرهم في منطقهم في سلوكهم كافة بل وتميزهم في تمتعهم بهذه الدنيا وفي تمتع من حولهم بهم، لأنهم سلموا من الغفلة التي تنسي الغافلين ربهم فسلموا من تناسي الله تعالى لهم،
لا يستوي عند الله ولا يستوي عند الناس رجل تقي باطنه كظاهره، ونيته كمنطقه، ونقاء قلبه كحلاوة لسانه، ورجل بخلاف ذلك.
عباد الله وإن مما يوقع في الغفلة التي تنسي الرب وتُضيّع حقوق الله وحقوق العباد بل وحقوق النفس، هو ذلك التطرف والتشدد الذي يجعل المرءَ يُعمي بصره ويُغلق عقله ويُطلق بالسوء لسانه ويده،
تطرف يوحي بقلة العلم ويوحي بقلة الخشية الحقة من الله تعالى،
تطرف يوحي بإغلاق العقل فلا رأي إلا رأيه ولا حديث يعم المجلس إلا ما يرغبه ويراه، جعل من نفسه حكما رقيبا على غيره، لا يقبل رأيا ولا يستجيب لحجة بيّنة، فهو أعمى القلب أعمى الفكر أعمى التصرف، أعمى عن الحقوق التي عليه، مما جعل الناس تنفر منه ومن مجالسته وتنفر مما يتحدث به ويتحمس لأجله،
بسبب التطرف والتشدد بيوت تهدمت وأسر تفككت وصداقات تقطعت وقلوب امتلأت نفرة وكراهية وبغضا.
التطرف هو رفض اختلاف وجهات النظر والآراء في مسائل أتاح الشارع والمنظم الاختلاف فيها، هو عدم الرضى ببقاء الندِّ او الخصم، المتطرف هو ذاك الذي لا يجيد التعبير عن فرحته إلا بأذية من خالفه ومن خالطه، لا يعرف لمجلس حقا ولا لأحد رأيا.
تعصب رياضي وتعصب قبلي وتعصب لفكرٍ بشري،
ما أشبه المتعصب لرأيه أو لناديه أو لفكر أستاذه أو لقبيلته بذلك الذكر في قطيع من حيوانات الغاب أو الصحراء لا يقبل بوجود منافس ولا يعرف إلا سحق الآخر والعيش بتفرد، فإما أن يموت هو أو يموت صاحبه أو يعيش أحدهما مقهورا ذليلا محطما.
وهذه هي النتيجة الوحيدة وهي النتيجة المحتمة لذلك التعصب، والتعصب إنما هو تطرف وتشدد تشدد في الفكر والرأي وتطرف في ردة الفعل على المخالف، ولمّا وصف الحبيبُ عليه الصلاة والسلام المتطرفين في الفكر وفي ردة الفعل بقوله: يَخْرُجُ قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ } البخاري
إنما ذلك لأنه عطلوا نعمة التفكير لديهم ولم يقبلوها من غيرهم، ولم يرضوا بمن يقاسمهم الرأي والحضور، مقتهم الله لأنهم عطلوا وجحدوا نعمة عظيمة من نعمه الجسيمة ولأنهم حملوا غيرهم على تعطيل هذه النعمة،
وانظر لكل متعصب تجد نفس الفكر ونفس النتيجة، وتجدهم يمرقون مما فاخروا به من تسامح ورقي فكر ومجد ونخوة باسم ناديهم أو قبيلتهم مروق السهم من الرمية، إذا كان التعصب مرفوضا من قبل من يقصد الآخرة ويطمع في الجنان ويرغب في حمل الناس على الخير فكيف بتعصب ضره أقرب من نفعه بل هو الضر كله. حمانا الله من كل ما يفسد إيماننا وأخوّتنا.
الحمد لله الحق المبين غافر الذنب الولي الحميد والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبشيرا للمؤمنين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله
فكل يوم يزداد استخدام الناس للتقنية ويزداد اقتراب العلوم والمعارف منهم، فالمفترض أن يزداد تشغيلهم لعقولهم وتجديد أفكارهم، ولكن عامة ما نراه اليوم يدل على أن الكثير قد نسي حق الله عليه في هذه النعمة نعمة العقل ونعمة التقنية ونسي حق الله فيما أوجب من حفظ لحقوق الآخرين ونسي ما للآخرين من حقوق، فأنساه الله نفسه ليزداد بهذه التقنية تراجعا فكريا وخلقيا لا يبشر بخير ولا يدعو للتفاؤل،
ما أقبح انفلات المشاعر السلبية لأجل نادي رياضي أو مهرجان قبلي أو لرأي يسع الناس فيه الخلاف، فتؤذى النفس ويؤذى من له صلة حتى ولو لم يحضر ويشارك.
الكل يندد بالتطرف والتشدد ثم نفاجئ بمن كنا نظنهم أهل ريادة في العلم والحكمة يخرجون عن حدود الآداب العامة لأجل كرة قدم يتداولها من ليس له صلة بهذه البلدة أو تلك وأحيانا لا صلة له بالمجتمع ولا بقيمه ولا بدينه،
وما بالك بطفل اعتاد منذ صغره مشاركة أبيه أو أخيه التعصب لنادي ما فعطّل عقله عن الحقوق التي عليه كيف سينشأ؟ وكيف سيكون في بقية شؤونه؟ كيف سيتعامل مع الآخرين في مستقبله ؟ كيف نحارب التطرف ونحن نصنعه ونغذيه ونرعاه وندعو إليه ولو قلنا بألسنتنا أننا لا نحبه؟
تابع ناديك وشجعه واحضر له إن شئت ولكن لا تتعصب ولا تتكدر فأنت الخاسر الأوحد،
كل الرياضيين يؤكدون على أن الهدف الأسمى من الرياضة هو إيجاد تنافس شريف وخلق متسامح رفيع وتقريب للقلوب المتنافرة وبيئة اجتماعية وصحية مميزة ورائعة، فعلينا أن لا نسمح لأحد أن يفسد تلك الأهداف المرجوة بفساد عقله وسوء منطقه وخلقه.
عباد الله لقد أوجب الله علينا تنشيط عقولنا في كل ما نسمع وقبل ذلك في كل ما نطرح من قول، لنكون بشرا نستحق الإنسانية التي ننشدها والعبودية لله التي نفاخر بها.
تعليقات
إرسال تعليق